أخبار الرياضة وكرة القدم
نيكو ويليامز... من الصحراء إلى المجد العالمي
زيوريخ - د ب أ
لم يكن نيكو ويليامز مجرد أحد أبطال منتخب إسبانيا في نهائي كأس العالم 2026، بل أصبح رمزًا لقصة إنسانية استثنائية بدأت قبل سنوات طويلة، عندما خاطر والداه بحياتهما في رحلة هجرة شاقة من غانا إلى أوروبا، قبل أن يصل ابنهما إلى قمة المجد الكروي بصناعة هدف التتويج بالمونديال.
وفي المباراة النهائية أمام الأرجنتين، التي انتهت بفوز إسبانيا بهدف دون رد بعد التمديد لوقت إضافي، لعب جناح أتلتيك بلباو دورًا حاسمًا رغم دخوله البطولة وهو يعاني من إصابة. ففي الدقيقة 109، ارتقى نيكو للكرة وأرسل تمريرة رأسية متقنة إلى فيران توريس، الذي سجل هدف الفوز ومنح "لا روخا" اللقب ، ليكتب اللاعب الشاب اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة الإسبانية.
وكان شقيقه الأكبر وزميله في أتلتيك بلباو، إينياكي ويليامز، من أوائل المحتفلين بهذا الإنجاز، إذ نشر رسالة مؤثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قال فيها "لقد صنعت التاريخ. لكن بعيدًا عن الكأس، شكراً لأنك جعلت ملايين المهاجرين مثل والدينا يشعرون بالفخر، ويؤمنون بأن أبناءهم قد يعيشون يومًا مما عشته أنت. كما جعلت ملايين الإسبان يرون أنفسهم في قصتنا".
وأضاف أن قصة عائلتهما لم تعد تخصهما وحدهما، بل أصبحت تمثل كل من غادر وطنه تاركًا كل شيء وراءه أملاً في مستقبل أفضل.
وتعود بداية هذه القصة إلى سنوات سبقت ميلاد نيكو، عندما قرر والداه، فيليكس وكومفورت، مغادرة غانا بحثًا عن حياة أكثر كرامة. وبحسب الموقع الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، خاض الزوجان رحلة محفوفة بالمخاطر، إذ عبرا الصحراء الكبرى سيرًا على الأقدام، وتحملّا مشاقًا لا توصف قبل الوصول إلى أوروبا، وكانت الأم حاملًا آنذاك.
وفي مدينة بلباو، وجد الزوجان يد العون لدى القس إينياكي ماردونيس، الذي وفر لهما المأوى وساعدهما على بدء حياة جديدة، بل نقل الأم بسيارته إلى المستشفى يوم ولادة الابن الأكبر إينياكي عام 1994، الذي حمل اسمه تكريمًا له، كما تولى تعميده وأهداه أول قميصين لنادي أتلتيك بلباو.
وبعد فترة، انتقلت العائلة إلى بلدة سيسما في إقليم نافارا، حيث عمل الأب في مزرعة لتربية الخنازير، قبل أن تستقر لاحقًا في مدينة بامبلونا، وهناك وُلد نيكو في 12 يوليو/تموز 2002.
وفي مقابلة سابقة مع مجلة "بانينكا"، استعاد إينياكي تفاصيل تلك السنوات الصعبة، موضحًا أنه عرف منذ طفولته معنى عدم القدرة على سداد فاتورة الكهرباء أو انقطاع المياه عن المنزل، وأنه كان يرى الفارق الكبير بين حياته وحياة زملائه في المدرسة والفريق.
وأضاف أنه لم يكن يلوم والديه على غيابهما الدائم، لأنه كان يدرك أنهما يعملان بلا توقف لتأمين الطعام والملابس والمياه للأسرة.
وفي بامبلونا بدأت رحلة الشقيقين مع كرة القدم، فالتحق إينياكي بنادي كلوب ناتاسيون بامبلونا، بينما خطا نيكو أولى خطواته مع نادي خونتا ديبورتيفا سان خورخي.
ويتذكر دييجو سان رومان، أول مدرب أشرف على نيكو، اليوم الذي حضر فيه الطفل البالغ من العمر ست سنوات لإجراء تجربة أداء، قائلاً "قيل لي إن طفلًا جديدًا سيأتي للتجربة. لمس الكرة مرتين أو ثلاثًا فقط، فأوقفت التدريب وذهبت مباشرة إلى إينياكي لأخبره أن شقيقه سيبقى معنا بالتأكيد".
ويؤكد سان رومان أن موهبة نيكو كانت واضحة منذ اللحظة الأولى، فقد امتلك سرعة استثنائية، وانطلاقات مذهلة، وتسديدات قوية، فضلًا عن قدرته النادرة على استخدام كلتا القدمين بالكفاءة نفسها، حتى إنه قال عنه "كان يفعل بقدمه اليمنى ما يفعله باليسرى".
كما أشار إلى أن نيكو كان ينفذ المراوغات الاستعراضية منذ سن السادسة أو السابعة، وهو ما كان يثير إعجاب الجميع. ويضحك المدرب وهو يتذكر أن اللاعب صنع هدف تتويج إسبانيا بكأس العالم بتمريرة رأسية، رغم أن اللعب الهوائي لم يكن من أبرز نقاط قوته في طفولته.
ولم تكن موهبة نيكو وحدها هي ما لفت الأنظار، بل أيضًا شخصيته المتواضعة. ويتذكر مدربه الأول طفلًا خجولًا، دائم الابتسام، لا يتوقف عن قول "شكرًا" و"من فضلك"، ولم يتذمر أو يشتكِ يومًا. وكان الشقيقان غالبًا ما يتنقلان إلى المباريات في سيارة والد المدرب، لأن والدتهما كانت تعمل في أكثر من وظيفة، بينما كان والدهما قد سافر إلى لندن بحثًا عن فرصة عمل.
من جانبه، يتذكر لويسما مارو، الرئيس الحالي لنادي سان خورخي، نيكو باعتباره "الطفل الذي يحتكر الكرة بثقة"، مؤكدًا أنه كان من المستحيل في ذلك العمر التنبؤ بمن سيصل إلى أعلى المستويات، لكن الجميع كان يدرك أن الصبي يمتلك قدرات استثنائية تميزه عن أقرانه.
وبعد عامين في سان خورخي، انتقل نيكو إلى نادي ديبورتيفو بامبلونا بجوار شقيقه، ثم التحق بأكاديمية أوساسونا، قبل أن ينضم عام 2013 إلى أكاديمية أتلتيك بلباو، حيث واصل تطوره حتى وصل إلى الفريق الأول، وفرض نفسه واحدًا من أفضل الأجنحة في أوروبا. وبعد تتويجه مع إسبانيا بلقب كأس الأمم الأوروبية 2024، أضاف إلى سجله الإنجاز الأكبر بقيادة منتخب بلاده إلى لقب كأس العالم 2026، ليختتم رحلة بدأت من معاناة أسرة مهاجرة وانتهت باعتلاء عرش الكرة العالمية.
ويختتم سان رومان حديثه بكلمات تلخص مسيرة اللاعب قائلًا: "لم يمنحهما أحد شيئًا. لقد مرّا بظروف قاسية للغاية في حياتهما. نيكو كان دائمًا يجعلني أبتسم. عندما كان يتدرب أو يلعب، كانت طريقته في اللعب تبعث السعادة. ومن أجل لاعبين مثله، واصلت العمل في التدريب."
المصدر: جريدة الرياض و موقع كل يوم
٠١-٠٨-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.