أخبار الرياضة من الإمارات

أخبار الرياضة وكرة القدم

تقرير بينما يعلو دوي الحرب بلا انقطاع.. أطفال غزة يغرقون في صمتٍ قسري يُسقط فرص السمع والتواصل


تقرير  بينما يعلو دوي الحرب بلا انقطاع.. أطفال غزة يغرقون في صمتٍ قسري يُسقط فرص السمع والتواصل

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

٠٩-٠٦-٢٠٢٦

خاص / شهاب

في حين لا تهدأ أصوات الحرب، يعيش أطفالٌ لا يملكون رفاهية إدراك الخطر أو سماع من يناديهم. يعيشون بصمتٍ قسري يطوّق حياتهم منذ الولادة أو بفعل الحرب، ليحوّل أبسط تفاصيل الطفولة—الضحك، النداء، اللعب—إلى مشاهد غائبة أو مبتورة.

هؤلاء الأطفال لا يعانون من فقدان السمع فقط، بل من حياةٍ كاملة تُدار داخل عزلةٍ مرئية؛ أطفالٌ يواجهون العالم دون أن يسمعوا اقتراب الخطر، وآخرون يحاولون التمسك بما تبقى من قدرتهم على التواصل بعد أن تعطلت أدوات سمعهم وسط الحرب، وثالث يقف على حافة فقدان ما تبقى من فرص العلاج بسبب توقف خدمات زراعة القوقعة داخل القطاع.

إحباط والعزلة

تقول والدة الطفل أنور البطش، إن طفلها، البالغ من العمر ثلاث سنوات، وُلد بإعاقة سمعية شديدة حرمته من سماع الأصوات والتفاعل الطبيعي مع محيطه منذ أيامه الأولى. وتوضح أن الأطباء أكدوا حاجته إلى إجراء عملية زراعة قوقعة في أقرب وقت ممكن، باعتبارها الفرصة الأساسية لمنحه القدرة على السمع وتطوير مهارات النطق والتواصل.

وتضيف أن سنوات عمره الأولى تمضي بينما لا يزال ينتظر العلاج، في ظل توقف خدمات زراعة القوقعة داخل قطاع غزة، وصعوبة الوصول إلى العلاج خارج القطاع، مشيرة إلى أن كل يوم يمر دون تدخل طبي يقلّص فرصه في اللحاق بأقرانه واكتساب المهارات اللغوية اللازمة في هذه المرحلة العمرية الحساسة.

وتتابع أن طفلها يواجه صعوبات يومية في التواصل مع أفراد أسرته وفهم ما يدور حوله، الأمر الذي ينعكس على نموه النفسي والاجتماعي، ويزيد من مخاوف العائلة بشأن مستقبله، خاصة مع استمرار الأوضاع الإنسانية والصحية الصعبة التي تعيق حصوله على العلاج الذي يحتاجه.

فى حين تقول والدة الطفل علي عبد الباري، البالغ من العمر سبع سنوات، إن نجلها كان قد خضع لعملية زراعة قوقعة قبل الحرب، وبعد رحلة طويلة من العلاج وجلسات التأهيل، تمكن من استعادة جزء مهم من حياته، إذ بدأ يسمع الأصوات ويتفاعل مع من حوله بصورة أفضل، وحقق تقدمًا ملحوظًا في النطق والتواصل والاندماج مع الأطفال في محيطه.

لكنها تؤكد أن الحرب قلبت هذه الإنجازات رأسًا على عقب، بعدما تعطلت القوقعة نتيجة غياب الصيانة وعدم توفر قطع الغيار والمعدات الطبية اللازمة لإصلاحها، في ظل القيود المفروضة على دخول المستلزمات الطبية الخاصة بفاقدي السمع إلى قطاع غزة.

وتوضح أن طفلها فقد تدريجيًا القدرة التي اكتسبها على السمع والتواصل، وعاد إلى حالة شبيهة بتلك التي كان يعيشها قبل إجراء العملية، الأمر الذي تسبب له بحالة من الإحباط والعزلة، وأعاد الأسرة إلى دائرة القلق والخوف من ضياع سنوات من العلاج والتأهيل.

وتضيف أن العائلة تقف عاجزة أمام تدهور حالة طفلها، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى صيانة الأجهزة الطبية وتوفير مستلزماتها، مؤكدة أن استمرار تعطل القوقعة لا يعني فقدان جهاز طبي فحسب، بل فقدان نافذة كانت قد فتحت أمام طفلها للتواصل مع العالم من حوله.

ولا تبدو معاناة الطفلين أنور البطش وعلي عبد الباري حالتين استثنائيتين، بل جزءًا من أزمة أوسع تطال مئات الأطفال فاقدي السمع في قطاع غزة، في ظل تعطل خدمات زراعة القوقعة ونقص المستلزمات الطبية اللازمة لتشغيل وصيانة الأجهزة السمعية.

وفي هذا السياق، تحذر رئيسة قسم السمع والتوازن في مستشفى الشيخ حمد، سها الهيثم، من أن قطاع غزة يضم مئات الأطفال من زارعي القوقعة وضعاف السمع الذين يعتمدون بشكل أساسي على المعينات السمعية وأجهزة القوقعة في حياتهم اليومية، مؤكدة أن استمرار الأزمة الحالية يهدد بفقدان كثير منهم القدرة على السمع والتواصل من جديد.

يفقدون السمع تدريجيًا

وتكشف الهيثم أن ما بين 70% إلى 80% من أجهزة القوقعة والمعينات السمعية تعرضت لأعطال كلية أو جزئية منذ اندلاع الحرب، نتيجة نفاد البطاريات وتلف القطع الخارجية وعدم توفر البدائل اللازمة، مشيرة إلى وجود ما لا يقل عن 15 طفلًا فقدوا أجهزتهم بالكامل تحت ركام منازلهم، ما أدى إلى انقطاعهم الكامل عن السمع منذ بداية الحرب.

وتوضح أن تداعيات الأزمة تتجاوز فقدان القدرة على السمع، إذ يمتد أثرها إلى تراجع المهارات اللغوية والنطقية التي اكتسبها الأطفال بعد سنوات طويلة من العلاج والتأهيل، لافتة إلى أن الأطفال الذين تتعطل أجهزتهم لفترات ممتدة قد يفقدون تدريجيًا القدرة على نطق الحروف والتواصل مع الآخرين، الأمر الذي يعيدهم إلى نقطة الصفر بعد سنوات من الجهود الطبية والتأهيلية.

وتؤكد أن المشكلة لا ترتبط بإجراء العمليات الجراحية وحدها، بل بما تصفه بـ"البقاء على قيد السمع"، موضحة أن بطاريات الأجهزة تمثل العصب الأساسي لاستمرار عمل القوقعة والمعينات السمعية، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى قطع الغيار الحيوية، مثل الأسلاك وقطع الرأس والحاضنة ومواد الحماية من الرطوبة، والتي باتت شبه مفقودة داخل القطاع.

أما بالنسبة للأطفال الذين ما زالوا ينتظرون فرصة إجراء زراعة القوقعة، ومن بينهم الطفل أنور البطش، فتشير الهيثم إلى أن عامل الوقت يعد عنصرًا حاسمًا في نجاح التدخل الطبي، موضحة أن ما يعرف بـ"العمر الذهبي" لزراعة القوقعة يمتد بشكل مثالي حتى سن الثالثة، ويظل فعالًا حتى سن الخامسة، حيث تكون قدرة الدماغ على اكتساب اللغة وتطوير مهارات التواصل في أعلى مستوياتها.

وتضيف أن تأخير إجراء الزراعة لسنوات إضافية قد يؤدي إلى تراجع فرص الطفل في اكتساب النطق وفهم الكلام بصورة طبيعية، حتى وإن أُجريت العملية لاحقًا، ما يجعل استمرار توقف خدمات زراعة القوقعة مصدر قلق متزايد لعائلات الأطفال المنتظرين للعلاج.

وتحذر الهيثم من أن استمرار منع إدخال المستلزمات الطبية الخاصة بزراعة القوقعة والمعينات السمعية قد يقود إلى ما تصفه بـ"موجة صمت جماعي"، في ظل احتمال تحوّل مئات الأطفال الذين خضعوا لزراعة القوقعة واستعادوا جزءًا من قدرتهم على السمع إلى فاقدي سمع مجددًا، بعد أن قطعوا سنوات طويلة في العلاج والتأهيل. وتؤكد أن هذا الواقع يهدد بارتفاع غير مسبوق في معدلات الإعاقة السمعية الدائمة بين أطفال قطاع غزة، ويحرم كثيرين منهم من فرصة الاندماج والتواصل والتعليم بصورة طبيعية.

تنموية ملحّة

من جانبه يقول أخصائي السمع والنطق والتربية الخاصة حسن اطبيل، إن عامل الوقت يمثل عنصرًا حاسمًا في حالات فقدان السمع الشديد أو العميق لدى الأطفال، موضحًا أن السنوات الأولى من العمر تشكل المرحلة الأهم لنمو الدماغ وتطور مهارات اللغة والكلام، وأن أي تأخير في التدخل العلاجي، وعلى رأسه زراعة القوقعة، قد ينعكس بشكل مباشر على فرص الطفل في اكتساب اللغة بصورة طبيعية.

ويشير اطبيل إلى أن الأطفال الذين تتعطل لديهم أجهزة القوقعة أو المعينات السمعية لفترات طويلة، بعد أن كانوا قد بدأوا باكتساب مهارات السمع والتواصل، يواجهون تراجعًا تدريجيًا في قدراتهم اللغوية، نتيجة فقدان المدخلات السمعية التي يعتمد عليها الدماغ في تثبيت اللغة وتطويرها، لافتًا إلى أن هذا التراجع يزداد حدة في حال انقطاع جلسات التأهيل والمتابعة المتخصصة.

ويؤكد أن استمرار انقطاع السمع لدى الطفل لا يؤدي فقط إلى توقف التقدم اللغوي، بل قد يتسبب أيضًا في فقدان جزء من المهارات التي تم اكتسابها سابقًا خلال سنوات التأهيل، حيث تبدأ بعض المفردات والقدرات النطقية بالتراجع، ويجد الطفل صعوبة متزايدة في التعبير والتواصل، مع تفاوت درجة التأثر من حالة إلى أخرى بحسب العمر ومدة الانقطاع.

وعلى الصعيد النفسي والاجتماعي، يوضح اطبيل أن فقدان السمع أو تعطل الأجهزة السمعية ينعكس بشكل مباشر على سلوك الطفل وحالته النفسية، إذ يعاني العديد منهم من العزلة وصعوبة في التفاعل مع محيطهم الأسري والاجتماعي، وهو ما يزداد تعقيدًا في ظل ظروف الحرب والنزوح وما يصاحبها من ضغوط نفسية وانعدام للاستقرار، الأمر الذي يجعل القدرة على التواصل عنصرًا أساسيًا في التخفيف من هذه المعاناة.

ويحذر اطبيل من أن استمرار تعطل خدمات زراعة القوقعة والصيانة والتأهيل السمعي قد يفرز تداعيات طويلة المدى على مستقبل مئات الأطفال في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن غياب التدخل المبكر أو توقفه قد يؤدي إلى فقدان فرص حقيقية في تطوير اللغة والتعلم والاندماج الاجتماعي، الأمر الذي يحول دون تمتع هؤلاء الأطفال بحقهم الكامل في التواصل والتعليم والحياة الطبيعية، ويجعل من توفير هذه الخدمات ضرورة إنسانية وتنموية ملحّة، وليست مجرد إجراء طبي.

المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم

٠٩-٠٦-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.