نصار وحداد والتعمري يقدمون واجب العزاء لذوي الطفل الدماسي

أخبار الرياضة وكرة القدم

تقرير خيام "أرض البصل" المحروقة.. تعيد فتح جراح فقدان النازحين للبيت والخيمة معًا


تقرير  خيام

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

٠١-٠٧-٢٠٢٦

خاص / شهاب

عندما دمرت الحرب منازل مئات آلاف الغزيين، لم يجدوا سوى الخيام مأوى يحتمون به من القصف والتشريد، ولم تكن تلك الخيام بديلًا عن بيوتهم، لكنها كانت المكان الوحيد الذي جمع ما تبقى من شتات عائلاتهم ومقتنياتهم القليلة بعد رحلة نزوح طويلة.

غير أن الأشهر الماضية أثبتت أن النزوح لم يضع حدًا لمعاناتهم، فالصواريخ "الإسرائيلية" لم تتوقف عند البيوت المدمرة، بل امتدت إلى مخيمات النزوح في رحلة جديدة من الفقد والتهجير.

فقصف خيمة يعني خسارة مأوى مؤقت، وإعادة الغزيين إلى نقطة البداية، إلى لحظة فقدان بيوتهم للمرة الأولى. فكل خيمة تُدمر تحمل معها قصة عائلة اعتقدت أنها وجدت مكانًا تستقر فيه، قبل أن تضطر إلى جمع شتاتها والبحث عن خيمة أخرى.

التهمتها النيران  

ويعكس ما شهدته منطقة "أرض البصل" في مواصي خانيونس طبيعة الواقع الذي بات يواجهه النازحون في قطاع غزة، بعدما دمّر القصف الإسرائيلي قبل يومين عشرات الخيام، وشرد نحو 200 عائلة كانت تعيش داخل تجمع كبير يضم عشرات العائلات والارامل وكبار السن والاطفال.

ورغم تلقي السكان أوامر بالإخلاء قبل وقت قصير جدًا من القصف، فإن العائلات لم تتمكن من إنقاذ سوى القليل من مقتنياتها، إذ تركزت جهودهم على إخلاء الخيام من الأطفال والنساء وكبار السن، قبل أن تلتهم النيران الخيام وما تحتويه، لتجد نفسها أمام رحلة نزوح جديدة، بعدما تحول المأوى المؤقت هو الآخر إلى هدف للقصف.

لم تكن خيمة النازح جمال أبو طير (55 عامًا) مجرد مأوى مؤقت بعد أن فقد منزله وأرضه الزراعية شرق خانيونس، بل كانت بالنسبة له كل ما تبقى من حياته القديمة، المكان الذي حاول أن يعيد داخله ترتيب يومه من جديد بعد النزوح.

ويضيف: وضعت داخل الخيمة كل ما استطعت إنقاذه من بيتي؛ بعض الملابس، وأغطية بسيطة، وأدوات للطبخ. أشياء قليلة لكنها كانت تعني الكثير لعائلتي التي خرجت من تحت القصف بلا شيء تقريبًا.

ويقول أبو طير إن الخيمة كانت تمثل له "آخر ما يملك"، وإنه حاول التمسك بها كأنها بداية جديدة يمكن أن تُبنى عليها الحياة من جديد، لكن كل ذلك انتهى بصاروخ "إسرائيلي"، حين اشتعلت النيران واحترقت الخيمة بكل ما فيها، ليجد نفسه أمام واقع لا شيء فيه سوى الرماد، وكأنهم عادوا إلى نقطة الصفر مرة أخرى.

فيما تروي النازحة نوال أبو خاطر ما حدث وكأنه مشهد لا يزال عالقًا في ذاكرتها. تقول إن اتصال الإخلاء وصلهم بشكل مفاجئ، ولم يترك لهم سوى دقائق معدودة لمغادرة المكان. لم يكن هناك وقت للحديث أو حتى التفكير، فقط حركة سريعة وارتباك كبير داخل الخيمة.

تضيف أنها في تلك اللحظات كانت تحاول إخراج أطفالها أولًا، بينما زوجها المقعد كان بحاجة لمن يساعده على النهوض والحركة.

وتقول أبو خاطر: "كنت أطلع وأرجع… كل مرة أفكر آخذ شيء من الخيمة"، مشيرة إلى أنها كانت تتنقل بين الداخل والخارج دون أن تعرف ما الذي يجب أن تأخذه فعلًا وما الذي يجب أن تتركه. كل شيء كان يبدو مهمًا في تلك اللحظة، وفي الوقت نفسه لم يكن هناك شيء أهم من الابتعاد عن الموت.

وتستدرك: لم أكن أتخيل أن كل شيء سينتهي بهذه السرعة، فبعد دقائق قليلة فقط من مغادرتنا، تحولت الخيام إلى رماد، وكأن المكان لم يكن موجودًا أصلًا، وحياة كاملة لأكثر من 200 عائلة اختفت بالكامل بلمح البصر.

أما علاء أبو عابد، فيصف عودته إلى المكان بعد القصف بأنها لحظة صادمة. كل ما كان هناك اختفى؛ لا خيام، لا أغطية، لا ملابس، ولا حتى أي أثر يدل على أن حياة كانت قائمة قبل بزوغ الفجر، فقط أرض سوداء ورائحة احتراق ثقيلة في المكان.

الإحساس نفسه 

يقول إنهم غادروا بسرعة قبل القصف، لكنهم لم يتوقعوا أن يعودوا فلا يجدوا شيئًا يعودون إليه. لم تكن الخسارة فقط في الأشياء التي احترقت، بل في الإحساس نفسه بأن المكان الذي لجأوا إليه بعد فقدان البيت لم يعد آمنًا أيضًا، وأن حياة النزوح باتت سلسلة متواصلة من الفقد، لا تعرف أين تبدأ ولا أين تنتهي.

من جانبها، ترى الدكتورة ختام أبو عودة، المتخصصة في علم الاجتماع والعلاقات الأسرية، أن الخيمة لم تعد في واقع الحرب مجرد مأوى مؤقت يحتمي به النازحون، بل أصبحت تؤدي الدور الاجتماعي الذي كان يقوم به المنزل.

وتوضح أن الخيمة بعد فقدان المنازل باتت تمثل مساحة للخصوصية، ومركزًا للحياة الأسرية، ووعاءً للذكريات والعلاقات اليومية، وتحاول العائلات داخل الخيام إعادة بناء هذا العالم بأبسط الإمكانات، من خلال تنظيم مساحة للنوم والطهي ولمّ شمل أفراد الأسرة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الطبيعية رغم قسوة الظروف.

وتشير أبو عودة إلى أن استهداف خيام النازحين لا يعني، من منظور اجتماعي، فقدان مأوى مؤقت فحسب، بل انهيار آخر مساحة استطاعت العائلة أن تعيد فيها ترتيب حياتها بعد النزوح. فداخل تلك الخيام تحتفظ الأسر بما تبقى لها من وثائق وملابس وأدوية ومدخرات ومقتنيات نجت من تدمير المنازل، وعندما تُقصف الخيمة يشعر النازح أنه يخسر للمرة الثانية أو الثالثة ما تبقى من حياته، وكأن رحلة الفقد لا تتوقف.

"المأوى الآمن"

وتضيف أن تكرار النزوح يفرض ضغوطًا اجتماعية كبيرة على الأسرة الفلسطينية، ويعيد تشكيل أدوار أفرادها. فالأب الذي كان يمثل مصدر الحماية قد يجد نفسه عاجزًا عن توفير أبسط مقومات الأمان، فيما تكافح الأم للحفاظ على تماسك الأسرة في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة، بينما ينشأ الأطفال في بيئة لا تعرف معنى الاستقرار، حيث يرتبط مفهوم البيت لديهم بالتنقل المستمر والخوف من فقدان المأوى، وهو ما يترك آثارًا عميقة على وعيهم الاجتماعي ومستقبلهم.

وتؤكد أبو عودة أن أخطر ما يكشفه استهداف مخيمات النزوح هو انهيار مفهوم "المأوى الآمن"، إذ يعيش النازحون في حالة استعداد دائم لترك المكان الذي لجأوا إليه بعدما أصبح معرضًا للاستهداف هو الآخر.

وتلفت إلى أن المجتمع في غزة لم يعد يواجه فقدان المنازل فقط، بل يواجه فقدان كل فرصة لإعادة بناء الحياة، إذ تُجبر العائلات على البدء من الصفر مرة بعد أخرى، في وقت تتآكل فيه مدخراتها وشبكات الحماية الاجتماعية، ويصبح الصمود نفسه محاولة يومية للحفاظ على تماسك الأسرة في مواجهة حرب لا تمنح الغزيين فرص الحياة.

المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم

٠١-٠٧-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.