أخبار الرياضة وكرة القدم
خاص مادة بأقل من "دولار واحد" يحظرها الاحتلال تهدد حياة 650 مريض كلى في غزة
خاص - شهاب
في مشهدٍ يلخص ذروة المأساة الإنسانية وحرب الإبادة والحصار التي يتعرض لها قطاع غزة، باتت حياة مئات المرضى المصابين بالفشل الكلوي معلّقة بين الحياة والموت؛ ليس بسبب تعقيد في العمليات الجراحية أو ندرة الأجهزة، إنما بفعل نفاد ومنع دخول مادة طبية أساسية وبسيطة لا يتجاوز ثمنها "دولاراً واحداً"، وهي مادة "البيكربونات".
في نداء استغاثة عاجل ومؤثر هزّ الأوساط الطبية والشعبية، أعلن الدكتور محمد أبو سلمية، من مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، أن أسِرّة وحدة غسيل الكلى في المجمع باتت الآن فارغة تماماً من المرضى.
وأوضح أبو سلمية أن هذه الأسِرّة التي كان يُفترض أن تعج بالمرضى الذين يتلقون علاجهم للبقاء على قيد الحياة، أصبحت خاوية بسبب النفاد التام لمادة "البيكربونات".
وحذر الدكتور أبو سلمية من كارثة حقيقية تهدد حياة 650 مريضاً بالفشل الكلوي في قطاع غزة، من بينهم 250 مريضاً يعتمدون بشكل مباشر على مجمع الشفاء الطبي، مؤكداً أن غياب هذه المادة زهيدة الثمن يعني حكماً بالموت الفوري عليهم.
وتساءل بمرارة: "أي ظلم هذا وأي عالم هذا نعيشه الذي يخسر فيه المريض حياته بسبب بضع الدولارات؟! لذلك نطالب بإدخال هذه المادة بشكل فوري وعاجل إلى أهلنا في قطاع غزة حتى يتمكن المرضى من العودة إلى كراسيهم ومكان غسيل الكلى ويعيشون حياتهم كما باقي المرضى".
وكشف أبو سلمية أن الطواقم الطبية اضطرت، أمام هذا الشح القاتل، إلى بدء إجراءات قاسية لتقليص الخدمات كخيار اضطراري أخير؛ حيث جرى تقليص عدد ساعات غسيل الكلى للمريض من 4 ساعات يومياً إلى ساعتين ونصف فقط، فضلاً عن تخفيض الجلسات العلاجية من 3 أيام أسبوعياً إلى يومين، محذراً من أن هذا الإجراء يشكل خطراً حقيقياً ومباشراً على استقرار حالتهم الصحية، ومطلقاً صرخة أخيرة للعالم: "أنقذوا مرضى غسيل الكلى".
ما هي مادة "البيكربونات"؟ ولماذا يُعد غيابها حكماً بالإعدام؟
من الناحية العلمية والطبية، تُعد بيكربونات الصوديوم الطبية (Hemodialysis Grade Sodium Bicarbonate) عنصراً حيوياً لا يمكن إتمام عملية الغسيل الكلوي (Hemodialysis) بدونه. في الوضع الطبيعي، تقوم الكلى السليمة بضبط التوازن الحمضي القاعدي في الجسم والتخلص من الأحماض الزائدة. أما عند إصابة المريض بالفشل الكلوي، فإن الجسم يعجز عن التخلص من هذه السموم، مما يؤدي إلى حالة طبية خطيرة تُعرف بـ "الحُماض الاستقلابي" (Metabolic Acidosis).
وتُستخدم مادة البيكربونات كمادة قلوية رئيسية تُخلط مع الماء النقي والمحلول الحمضي عبر جهاز غسيل الكلى لإنتاج "السائل الدياليزي" (Dialysate)، وهو السائل المسؤول عن غسيل دم المريض وإعادة التوازن الكيميائي له أثناء تنقيته.
وبناءً على ذلك، فإن غياب هذه المادة أو تقليص جلساتها يترتب عليه نتائج كارثية فورية تشمل ارتفاع حاد في حموضة الدم مما يؤدي إلى انهيار وظائف الجسم الحيوية، والشعور بالإعياء الشديد، والتشنجات، واضطراب توازن الأملاح وخاصة البوتاسيوم، مما يعرض المريض لخطر السكتة القلبية المفاجئة في أي لحظة، وتراكم السوائل والسموم وعجز الأجهزة عن فلترة الدم بكفاءة، مما يؤدي إلى الوفاة السريعة خلال أيام قليلة في حال انعدام الجلسات الكاملة.
شهادات حية من واقع المعاناة
التقرير الطبي لم يقف عند حدود الأرقام، إذ عكس مآسي حقيقية تعيشها العائلات؛ إذ كتب المواطن "سالم الريس" معلقاً على فيديو الدكتور أبو سلمية، ليروي تفاصيل معاناة والدته المريضة منذ 10 سنوات: "أمي تعتمد بشكل أساسي في تصريف المياه من جسدها على ثلاث جلسات أسبوعياً، كل جلسة 4 ساعات... اليوم بدأت أسبوعها بجلسة سيتبعها جلسة ثانية يوم الثلاثاء القادم ثم تعود السبت الذي يليه، أي أن ما بين الجلسة والثانية ثلاثة أيام أو أربع! لا أعلم كيف ستتمكن من النجاة، كم سيتحمل جسدها وإلى متى؟!".
وأكد الريس، وفق ما رصدته (شهاب) أن العقبة الأساسية تتركز في منع الاحتلال "الإسرائيلي" دخول "البيكربونات" المخصصة لنصف عدد أجهزة الغسيل بمستشفى الشفاء.
وفي السياق ذاته، شدد الناشط فايز خليفة على خطورة الموقف قائلاً: "أيُعقل أن تكون حياة أكثر من 650 مريض غسيل كلى معلّقة بمادة لا يتجاوز ثمنها دولاراً؟ كل جلسة تُختصر تعني خطراً أكبر على حياتهم وزيادة احتمالية حدوث مضاعفات قاتلة".
غضب وتضامن واسع
لقي إعلان الدكتور أبو سلمية تفاعلاً واسعاً وهزّ منصات التواصل الاجتماعي داخل قطاع غزة وخارجه، حيث امتزجت تعليقات المواطنين والنخب الطبية بين الغضب من الصمت الدولي والإشادة بصمود الكوادر الطبية.
وعلّق الدكتور محمود سعد الدين مستذكراً تجربة شخصية مريرة: "حسبنا الله ونعم الوكيل.. خسرت والدتي نتيجة تأثر خدمات غسيل الكلى بشكل كبير في أوج هذه الحرب الغاشمة".
وأضاف: "إن الجهود التي تبذل من أجل استمرار تقديم الخدمات الطبية هي جهود جبارة يتم بجهود رجال يعملون بصمت وبجد وجهد لا يعلم الكثير عنه شيئاً".
من جانبه، ثمن الدكتور صبحي سكيك، مدير مركز الصداقة التركي لعلاج مرضى السرطان، هذا التحذير قائلاً: "أحسنت أبو خالد... تنبيه العالم أمر في غاية الأهمية... نريد حياة وتفاعلاً فيمن ننادي!!!؟".
وفي ذات السياق، كتب الدكتور ياسر الدحدوح: "جهدك طيب وطبيب إنساني عظيم أنت. ما زلت تضحي، نسأل الله القبول وأن يسمعك العالم ويتحرك ليروا المعاناة والألم".
ومن الخليل، علّق المواطن إبراهيم العزة مبيّناً حجم الكارثة الشاملة: "شعبنا العربي الفلسطيني يموت كل يوم بجميع أشكال القتل من القصف والتدمير والتجويع والحصار بلا ماء وغذاء ودواء ضروري للعيش... في مأساة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً وسط غياب القيادات والشعوب".
واشتعلت المنصات بدعوات الفرج والنصر من المتابعين الذين انتقدوا الصمت الإقليمي والدولي، حيث كتب أحدهم: "يحدث هذا في محيط عربي ومسلم، بعد إبادة ومئات آلاف الشهداء والجرحى.. خيام وحصار وجوع ومرضى لا يجدون العلاج!"، بينما تضرعت متابعات بالدعاء لأهل غزة بالثبات، مؤكدين أن غزة تدافع عن عزة وكرامة الأمة بأسرها وسط خذلان وتواطؤ دولي مرير.
المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم
٢٨-٠٦-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.