أخبار الرياضة من العراق

أخبار الرياضة وكرة القدم

الصراع الذي يبدو بلا مركز!


الصراع الذي يبدو بلا مركز!

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

١١-٠٤-٢٠٢٦

ما جرى خلال الاربعين يوما الماضية في الاقليم لا يحتمل التوصيفات المريحة، فنحن كنا امام مشهد مركب تتحرك فيه الجبهات بشكل متزامن ضمن منطق اشتباك مفتوح، حتى وان بدا مضبوطا، وتتقاطع فيه الضربات الايرانية على القواعد الاميركية في الخليج والشرق الاوسط مع تصعيد الحوثيين في البحر الاحمر والحضور اللافت لحزب الله على حدود فلسطين المحتلة شمالا، في وقت كانت تبدو فيه غزة وكأنها خرجت من دائرة النار، ظاهريا على الاقل، بينما هي في الواقع داخل معادلة اوسع، هذا التداخل لا يعكس انفجارا عشوائيا بقدر ما يكشف عن نمط جديد من الصراع، يقوم على توزيع الضغط عبر رقعة الاشتباك دون الوصول الى لحظة الحسم الشامل.

جذور هذا المشهد المركب ترجع لعقود من الاختلالات البنيوية في النظامين العالمي والاقليمي، وكذلك فشل كل محاولات فرض توازن ردع تقليدي قائم على التفوق العسكري فقط، مقابل صعود نموذج بديل يعتمد على الشبكات والتحالفات غير التقليدية، مثبتا قدرته على امتصاص الضربات، واعادة انتاج نفسه عبر عديد الجبهات، الامر الذي جعل من اي مواجهة عبارة سلسلة من حلقات مترابطة متداخلة، لا تحدها جغرافيا، ولا يحكمها زمن، فلم تعد القواعد الاميركية مجرد نقاط تمركز او حماية، بل على العكس تمام، اصبحت نقاط ضعف واكثر من ذلك، اهدافا ضمن عملية متبادلة من رسائل الضغط، كما لم يعد البحر الاحمر او مضيق هرمز مجرد ممرات مائية، بل اصبحت ساحات ضغط استراتيجي وازنة، تعكس عمق الازمة وتعقيداتها، كما تعكس ابعادها وتبعاتها.

في المقابل، بدت الولايات المتحدة اسيرة التوازن بين الرغبة في الردع من جانب، ومحاولتها تجنب الانزلاق الى حرب مفتوحة من جهة اخرى، فكانت تحرص على ان تبقى ضرباتها ضمن سقف محدد، وتستثمر في تعزيز حضورها العسكري كرسالة طمأنة لحلفائها المحبطين، سلوك كان يعكس ادراكا متزايدا بان كلفة الحرب الشاملة، السياسية والاقتصادية، لا تحتمل في ظل اولويات دولية متزايدة وضغوط داخلية اخرى.

اما تل ابيب، فوجدت في هذا المشهد فرصة لتعزيز موقعها ضمن معادلة الردع، مستفيدة من الانخراط كما الغرور الامريكيين، وكذلك من حالة السيولة الاقليمية لتوسيع نطاق اعتداءاتها بذريعة الامن، غير ان هذا لم يكن يجري في فراغ، بل كان يواجه بردود متعددة الجبهات، جاعلة من كل تصعيد سلسلة ارتدادات تتجاوز قدرتها على السيطرة.

اقتصاديا، بدأت ارتدادات الحرب تظهر بوضوح، بل واسرع من التوقعات، مع تزايد القلق حول امن الممرات البحرية، وارتفاع كلفة النقل والتامين، والبحث عن بدائل، ما انعكس بشكل مباشر على اسعار الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، ومع كل ضربة في الخليج او البحر الاحمر، كانت تتسع دائرة القلق لتشمل اسواقا بعيدة جغرافيا، لكنها مرتبطة عضويا، الامر الذي اعاد طرح السؤال حول هشاشة الامن الاقتصادي العالمي في ظل نزاعات اقليمية مفتوحة.

ورغم كل هذا التصعيد، بقيت المواجهة محكومة بسقوف غير معلنة، فكل طرف كان يختبر حدود الاخر، لكنها معادلة هشة بطبيعتها، فكان يكفي خطأ في التقدير، او تهور في التدبير لتحويل هذا الاشتباك المنضبط الى انفجار اوسع، وهنا تحديدا كانت تتقاطع خطورة التصريحات المتطرفة، كتلك التي كان يطلقها ترامب، مع واقع ميداني مشتعل، ما زاد من احتمالات الانزلاق الخطير ، كما الاتفاق.

ورغم وقف اطلاق النار الهش، الا ان خيارات التصعيد لا تزال قائمة، واذا استمر هذا المسار المتدرج نحو التصعيد، فان المنطقة لن تتجه بالضرورة الى حرب شاملة بالمعنى الكلاسيكي، بل ربما الى شكل اكثر خطورة، حرب بلا مركز او نهاية، تتوزع فيها القوة كما يتوزع العنف، فتصبح الجغرافيا كلها مساحة اشتباك مفتوح، لا تعرف الاستقرار، تعتاد التوتر، فلا تعود الحرب استثناء، بل هي القاعدة، وحدثا مستمرا، ومعها يصبح الاستقرار فكرة مؤجلة لأجل غير معلوم، ومع كل جولة تصعيد، ستتآكل الحدود بين العسكري والسياسي، وبين الدولة واللادولة، لتنشأ منظومة اقليمية جديدة، قوامها الردع المتبادل، لا يمنع الانفجار بل يؤجله، وفي هذا التأجيل الطويل تكمن المفارقة والحل ايضا، فتتكيف شعوب موغلة في التاريخ، خبرت الحروب جيلا بعد جيل، مع اللااستقرار بوصفه قدرا يوميا، بينما تقف مجتمعات استيطانية حديثة التكوين، قامت على فكرة الاستقرار والرفاه، امام صدمة واقع لا يشبهها، ولا تحتمل كلفته، وهنا لا يعود السؤال كيف تنتهي الحرب؟ بل من يملك القدرة على العيش داخلها ومن سيختار الرحيل؟

المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم

١١-٠٤-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.