أخبار الرياضة وكرة القدم
أحمد الجوراني.. لاعب ومدرب استشهد في يوم ميلاده
يعيش الرياضيون في قطاع غزة فصولا قاسية من المعاناة، بعدما أجبرتهم الحرب على ترك الملاعب والأنشطة الرياضية، والانتقال إلى حياة النزوح والخيام والبحث عن أبسط مقومات البقاء.
وبينما كانت أحلامهم تدور حول البطولات والإنجازات، بات تأمين الطعام لعائلاتهم يشكل التحدي الأكبر في حياتهم. ومن بين القصص التي تختصر هذه المأساة، تبرز حكاية الكابتن الشهيد أحمد يوسف أحمد الجوراني، المعروف بـ"أبو مجاهد"، الذي جمع بين الشغف بكرة القدم والتفوق في رياضات الدفاع عن النفس، قبل أن يرتقي شهيدا خلال رحلة البحث عن الطعام لأطفاله.
ولد أحمد الجوراني في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يوم 19 أغسطس 1985، ونشأ محبا لكرة القدم، التي بدأت علاقته بها من الفرق المدرسية والمساجد والساحات الشعبية، حيث كانت الرياضة متنفسا لأبناء جيله في ظل ظروف الحصار الصعبة.
وفي عام 2004، التحق بفريق الناشئين في نادي الصلاح الرياضي، تحت قيادة المدرب معين مسمح، ليبدأ رحلة تطوير موهبته وصقل قدراته الفنية والبدنية.
وتمكن بفضل اجتهاده وانضباطه من التدرج في الفئات العمرية للنادي، حتى وصل إلى الفريق الأول عام 2013، تحت قيادة المدرب الشهيد مصطفى أبو عطوان.
وحجز "أبو مجاهد" مكانه في الخط الأمامي، وأصبح أحد المهاجمين المعروفين في صفوف الفريق، مشاركا في منافسات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، بما فيها دوري الدرجة الأولى ومسابقة الكأس، حيث ساهمت أهدافه في حسم عدد من المواجهات.
وخلال مسيرته، لعب الجوراني إلى جانب مجموعة من نجوم الكرة في غزة، من بينهم هاني مسمح، ومحمد زقوت، وعماد شاهين، وأحمد المشارفة، وصبحي مبروك، كما امتدت تجربته لتمثيل منتخب الشرطة الفلسطينية في المحافظة الوسطى، بقيادة المدرب نعيم أبو ريا.
ولم تقتصر مسيرته الرياضية على كرة القدم، إذ اتجه إلى رياضات الدفاع عن النفس، وتمكن من تحقيق إنجاز مهم بحصوله على الحزام الأسود في الكاراتيه، من الدرجة الثالثة (دان 3). ومع تطوره في اللعبة، انتقل إلى مجال التدريب، وأشرف على دورات متعددة ساهم من خلالها في إعداد لاعبين وتخريج أبطال حققوا جوائز وإنجازات، ورفعوا اسم فلسطين في المنافسات الرياضية.
وبذلك، جمع الجوراني بين تجربتين رياضيتين مختلفتين، فكان لاعبا داخل ملاعب كرة القدم ومدربا في رياضة الكاراتيه، وترك بصمته في أوساط الرياضيين الذين عرفوه والتقوا به خلال سنوات نشاطه.
لكن الحرب على قطاع غزة غيرت مسار حياته، كما فعلت مع آلاف الرياضيين الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن أنديتهم وملاعبهم، بعدما دمرت المنشآت الرياضية وأوقفت البطولات، ودفعتهم إلى النزوح ومواجهة ظروف معيشية بالغة القسوة.
ومع تفاقم أزمة الغذاء وحرب التجويع التي مارسها الاحتلال، لم يعد اهتمام الرياضيين منصبا على التدريبات والمنافسات، بل أصبح توفير الطعام والمياه لعائلاتهم أولوية يومية.
وتحولت نقاط توزيع المساعدات إلى أماكن شديدة الخطورة، بعدما بات المواطنون الذين يقصدونها للحصول على الغذاء عرضة للقصف وإطلاق النار، في رحلة محفوفة بالموت من أجل تأمين لقمة العيش.
وكان أحمد الجوراني واحدا من الذين أجبرتهم هذه الظروف على المخاطرة بحياتهم لتوفير احتياجات أسرهم. ففي يوم الثلاثاء الموافق 19 أغسطس 2025، الذي صادف يوم ميلاده الأربعين، خرج من أجل تأمين الطعام لعائلته وأطفاله، متجها نحو مناطق توزيع المساعدات شمال مخيم النصيرات وسط القطاع.
لكن الرحلة التي كان يأمل أن يعود منها بما يسد جوع أطفاله انتهت بمأساة، بعدما استهدفته قوات الاحتلال بشكل مباشر وسط تجمع للمدنيين المنتظرين للحصول على المساعدات، ليرتقي شهيدا في يوم ميلاده، تاركا خلفه عائلة فقدت معيلها في واحدة من أصعب المراحل التي يعيشها سكان غزة.
وباستشهاده، لم تخسر الأسرة أباها وسندها فحسب، بل وجدت نفسها أمام أعباء معيشية مضاعفة، في ظل ظروف النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية.
فزوجته وأطفاله باتوا يواجهون تحديات يومية لتوفير الغذاء والمياه والدواء، إلى جانب مستلزمات الحياة الضرورية، وسط ارتفاع الأسعار وتراجع مصادر الدخل.
وتعيش عائلات الشهداء في غزة أوضاعا إنسانية بالغة الصعوبة، إذ تتحمل الأمهات مسؤولية رعاية الأطفال وتأمين احتياجاتهم بعد فقدان المعيل، في وقت لا تتوفر فيه مقومات الحياة الأساسية داخل مخيمات النزوح والخيام المتهالكة.
وتزداد المعاناة مع صعوبة الحصول على حليب الأطفال والحفاضات والمستلزمات الطبية، فضلا عن مشقة توفير مياه صالحة للشرب ووسائل مناسبة للطهي.
أما أطفال الجوراني، فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد فرضه غياب والدهم، يحملون ذكراه وسيرته، ويواجهون في الوقت ذاته مرارة اليتم وتداعيات الحرب والحرمان. وهي معاناة لا تتوقف عند فقدان الأب، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي أصبحت أكثر قسوة على الأسر التي فقدت معيلها.
رحل الكابتن أحمد الجوراني تاركا وراءه سيرة رياضية جمعت بين كرة القدم والكاراتيه، وبين تجربة اللاعب والمدرب، بعدما أمضى سنوات في الملاعب وصالات التدريب، مساهما في صناعة أجيال رياضية جديدة.
لكن الحرب أنهت حياته بعيدا عن ميادين المنافسة، وهو يبحث عن الطعام لأطفاله، في مشهد يلخص مأساة الرياضيين في قطاع غزة، الذين انتقلوا من السعي وراء الألقاب والبطولات إلى صراع يومي من أجل البقاء.
وتبقى حكايته شاهدا على أحلام رياضية وإنسانية اغتالتها الحرب، وعلى عائلة لا تزال تواجه قسوة الفقد والجوع بعد رحيل أب خرج بحثا عن لقمة عيش، ولم يعد.
المصدر: فلسطين أون لاين و موقع كل يوم
٠٧-١١-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.