أخبار الرياضة من تونس

أخبار الرياضة وكرة القدم

تمارين الرياضة الذهنية مدرسة في حد ذاتها


تمارين الرياضة الذهنية مدرسة في حد ذاتها

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من لبنان

٠٢-٠٩-٢٠٢٦

ليست الرياضة دائماً عضلاتٍ تتحرك في الملاعب، ولا أرقاماً تُسجّل على لوحات النتائج، ولا مهارات فنية يتقنها اللاعب أو المدرب فحسب، فهناك رياضة أخرى لا تقل أهمية عن كل أنواع الرياضات المعروفة، إنها رياضة العقل والذهن، تلك المدرسة التي تصنع الإنسان القادر على التفكير والتحليل واتخاذ القرار، وفهم الآخرين قبل التعامل معهم.

في قطاعنا الرياضي اللبناني، لدينا عدد من المخضرمين والمخضرمات الذين أمضوا سنوات طويلة في الرياضات البدنية والفنية والإدارية، وأثبتوا وجودهم في الملاعب والمؤسسات الرياضية وفي المحافل العربية والدولية. هؤلاء لم يصنعوا تجاربهم فقط من خلال الشهادات أو المناصب، بل من خلال الإحتكاك اليومي بالناس، وبالنجاح والفشل، وبإختلاف العقليات والثقافات، وهنا تبدأ الحكاية الأهم: الذهنية اللبنانية.

الذهنية اللبنانية قلّما تطابق ذهنية الخارج، رغم أن اللبناني شعب متطوّر، سريع الإستيعاب، يواكب العصر، وربما يتسابق معه في كثير من المجالات. نحن نلتقط الفكرة بسرعة، ونفهم الإشارة قبل أن تكتمل، ونستوعب الهمسة أحياناً قبل أن تتحوّل إلى كلام. لكننا، في الوقت نفسه، نفكر بطريقتنا الخاصة.

إنها ذهنية ممزوجة بطبيعتنا وهوائنا وتاريخنا وتقاليدنا وعادات مجتمعنا، وبكل ما مرّ على هذا الوطن من أحداث وتجارب وتحوّلات. لذلك لا يمكن دائماً نقل تجربة ناجحة من الخارج ووضعها كما هي في لبنان وإنتظار النتائج نفسها. فالفكرة الواحدة قد تكون ممتازة في مجتمع، لكنها تحتاج إلى قراءة مختلفة عندما تصل إلى مجتمع آخر.

وهنا تكمن أهمية الرياضة الذهنية في الإدارة والرياضة والحياة العامة.

فالمسؤول الناجِح ليس فقط من يقرأ الكتب ويَجمع المعلومات، بل مَن يَعرف كيف يقرأ الإنسان الذي أمامه. والمدرّب الناجح ليس من يحفظ الخطط الفنية فقط، بل من يفهم نفسية لاعبيه وكيفية مخاطبتهم وتحفيزهم. والإداري الحقيقي

ليس من ينسخ الأنظمة والتجارب، بل من يعرف كيف يترجمها بما يتناسب مع بيئته ومجتمعه.

نحن نستوعب الأفكار بسرعة، لكننا نعيد صياغتها وِفقاً لطبيعتنا. نقبل الفِكر الجديد، ولكننا ننظر إليه من منظارنا الخاص. نناقشه، ونحلله، ونرفض منه ما لا يتناسب معنا، ونحتفظ بما نعتقد أنه ينسجم مع مجتمعنا.

وهذا ليس عيباً بالضرورة. العيب الحقيقي هو أن نرفض تطوير ذهنيتنا، أو أن نعتقد أن خبرات الخارج لا تصلح لنا مطلقاً، أو أن نقع في الخطأ المعاكس فنلغي شخصيتنا وخصوصيتنا لنقلّد الآخرين تقليداً أعمى.

المطلوب هو التوازن، أن نتعلّم من العالم، ولكن أن نفكر بعقلنا؛ أن نستفيد من تجارب الآخرين، ولكن أن نعرف كيف نطبقها في مجتمعنا.

إن الرياضة الذهنية مدرسة حدّ ذاتها، لأنها تعلّمنا أن الإنسان لا يتطوّر فقط بتقوية جسده، بل بتطوير طريقة تفكيره، وتوسيع قدرته على الحوار، وإحترام الفكر المختلف، وفهم الآخر من أكثر من زاوية.

ولعل المخضرمين والمخضرمات الذين راكموا التجارب عبر العقود يملكون اليوم كنزاً حقيقياً يجب ألا يُهمل، كنز الخبرة الإنسانية والذهنية.

فالأجيال الجديدة تحتاج إلى التكنولوجيا، وإلى العِلم، وإلى التدريب الحديث، لكنها تحتاج أيضاً إلى من يعلّمها كيف تفكر، وكيف تناقش، وكيف تختلف دون أن تتخاصم، وكيف تنظر إلى الفكرة من أكثر من ناحية.

فالرياضة تبدأ بالحركة، لكن الإنجاز الحقيقي يبدأ من العقل. ومن لا يدرّب ذهنه على التفكير، والتحليل، وفَهم الناس والمجتمع، قد يمتلك كل الوسائل الحديثة، لكنه يبقى عاجزاً عن الوصول إلى الهدف الصحيح.

إنها تمارين الرياضة الذهنية، مدرسة لا تُمنح شهادتها في قاعة، بل تُكتسب من التجربة، ومن إحترام الآخر، ومن القدرة على التفكير قبل إتخاذ القرار. عبدو جدعون

 

المصدر: ملعب و موقع كل يوم

٠٢-٠٩-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.