أخبار الرياضة وكرة القدم
كلٌّ يرمي حجراً على مرآته!
لم تعد الرياضة اللبنانية تعاني من خسارة مباراة أو تراجع نتائج فحسب، بل باتت تواجه خطراً أكبر، الإنحدار الأخلاقي في الخطاب الذي يحيط بها. فمنذ سنوات، تحوّلت المنابر الرياضية، ومعها بعض مواقع التواصل، إلى ساحات مفتوحة للإتهامات والتجريح والتخوين، حتى أصبح الكلام المنفلت هو القاعدة، والإحترام هو الإستثناء.
جمهور هذا النادي وجمهور ذاك ليسا وحدهما في ساحة الإشتباك. فكل أزمة، وكل مباراة، وكل حدث يُنقل مباشرة على الهواء، يجرّ وراءه سيلاً من التعليقات والتحليلات، تتدفّق عبر مزاريب يومية من الخصام والضغينة، حتى غدا الضجيج أعلى من الحقيقة، والإساءة أسرع من المعلومة، والإنفعال أقوى من المنطق.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، أليس ما يجري يستوجب المحاسبة عندما يمتد إلى سمعة الوطن وإلى من يمثل لبنان في المحافل الخارجية؟ متى يصبح الإعتداء على صورة البلد قضية رأي عام، لا مجرّد خلاف رياضي عابر؟ وهل يكفي أن تُكتب بيانات الإستنكار على الورق، فيما تستمر حملات التشهير وكأن شيئاً لم يكن؟
وأين التربية الوطنية ممّا يحدث؟ أين دور الإتحادات والأندية التي يفترض أن تزرع ثقافة الإنتماء والإحترام، بينما تتسرّب الخلافات إلى أروقة الإدارات الرياضية، وتدار في الخفاء بعقلية الثأر وتصفية الحسابات؟ كيف يُعقل أن تتحوّل بعض المؤسسات الرياضية إلى بيئات خصبة للإشاعات والصراعات الشخصية، بدل أن تكون مدارس للقيم والإنضباط؟
ما نشهده ليس تنافساً رياضياً، بل إنحداراً أخلاقياً يضرب أسس الرياضة ورسالتها. كلمات مسمومة، وحقد متراكم، وعدمية لا تبني مؤسسة ولا تصنع إنجازاً، بل تهدم ما تبقى من الثقة بصورة الرياضة اللبنانية. يطلقون الكلام الفاسد كل يوم على صدر الرياضة ووجودها ومستقبلها، ثم يكتفون بعتاب شكلي لا يردع أحداً ولا يغيّر سلوكاً.
حرية التعبير ليست رخصة للإساءة، والنقد لا يعني الإغتيال المعنوي، والإختلاف لا يبرّر تشويه السمعة أو ضرب هيبة المؤسسات. فحين يغيب القانون، يحضر منطق الفوضى، وحين تغيب المحاسبة، يصبح العبث هو اللغة السائدة.
هذا الإنحدار لم يعد مقبولًا على الإطلاق. لبنان الذي قدّم للعالم نماذج مشرقة في الثقافة والفكر والرياضة، لا يليق به أن يُعرف بخطاب الكراهية والشتائم والتناحر. وإذا لم تتحرّك الجهات المعنية لوضع حد لهذا الإنفلات، فإن الخاسر لن يكون نادياً أو اتحاداً أو مسؤولاً، بل الوطن بأسره، وصورته، ومستقبل رياضته.
لقد آن الأوان لأن يُدرك الجميع أن الرياضة ليست حلبة لتصفية الأحقاد، بل مساحة لصناعة الأمل، وأن حماية سمعة لبنان تبدأ من الكلمة المسؤولة، قبل أن تبدأ من أي بطولة أو ميدالية. وأن يدرك الجميع أن الأوطان لا تُهزم فقط في الملاعب، بل تُهزم أيضاً عندما يصبح أبناؤها أول من يطعن صورتها أمام العالم. عبدو جدعون
المصدر: ملعب و موقع كل يوم
٠٥-٠٨-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.