أحمد الشمراني: من أجل هذا جردوا الفارس..؟

أخبار الرياضة وكرة القدم

تقرير  كيف تُهندس "سلطة أوسلو" مجلسًا وطنيًا على مقاسها؟


تقرير   كيف تُهندس

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

١٣-٠٩-٢٠٢٦

يثير مسار إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، الذي تمضي فيه "سلطة أوسلو" بالتوازي مع الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أسئلة جوهرية حول حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، وحول مستقبل المؤسسة التي يفترض أن تكون الإطار التمثيلي الأوسع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، في ظل الاعتماد على التعيينات والمجاميع الانتخابية المحدودة بدلًا من الانتخاب المباشر.

و تتزامن عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني مع استبعاد قوى فلسطينية أساسية من المشاركة، ومع اعتراضات من فصائل وجاليات فلسطينية على تحويل التعيين والمجاميع الانتخابية إلى بديل عن الانتخابات المباشرة، بما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج تركيبة سياسية بعيدة عن الإرادة الشعبية.

نهج قائم

وتكتسب هذه العملية أهمية أكبر مع بدء ترتيبات اختيار أعضاء المجلس في عدد من أماكن وجود الفلسطينيين، بعدما بدأت التحركات في لبنان وانتقلت إلى دول عربية، وصولًا إلى أوروبا ومناطق أخرى، في وقت تنص فيه آليات تشكيل المجلس على انتخاب أعضائه حيثما أمكن، مع اللجوء إلى المجاميع الانتخابية أو التوافق أو التعيين في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، في تصريح لـ"شهاب"، إن ما يجري يتجاوز ترتيب الأسماء أو توزيع المقاعد داخل مؤسسة وطنية، ويمس السؤال الأساسي المتعلق بمن يمثل الفلسطينيين في الداخل والشتات، وما إذا كانت إعادة بناء المؤسسات الوطنية ستتم عبر الانتخابات والشراكة، أم من خلال استمرار النهج القائم على التعيين وتأجيل الاستحقاقات وضبط التمثيل بما يحافظ على موازين القوة القائمة.

ويرى عفيفة أن تسريع ترتيبات المجلس الوطني لا يمكن فصله عن الحسابات المرتبطة بالانتخابات التشريعية المقبلة، معتبرًا أن سلطة أوسلو تتحرك في مسارين متوازيين؛ أولهما التعامل مع استحقاق المجلس التشريعي وما يفرضه من حسابات داخل حركة فتح، وثانيهما تأمين تركيبة للمجلس الوطني تضمن استمرار السيطرة على منظمة التحرير وتحافظ على نفوذ الدائرة المحيطة بمحمود عباس.

ويشير إلى أن "معركة التعيينات والمجمعات الانتخابية" لا تقدم حلًا لمشكلة غياب الانتخابات، وإنما "تعيد إنتاجها"، موضحًا أنه بدلًا من أن يكون المجلس الوطني مساحة جامعة للفلسطينيين، يجري التعامل معه باعتباره "شبكة أمان سياسية للرئاسة"، يمكن اللجوء إليها إذا أصبحت نتائج الانتخابات التشريعية غير مضمونة.

تأجيل الاستحقاقات

ويؤكد عفيفة أن هذا النهج ليس جديدًا، بل يمثل امتدادًا لطريقة حكم قامت على إدارة المؤسسات بالتعيين وتأجيل الاستحقاقات والتحكم في طبيعة التمثيل، محذرًا من أن يتحول المجلس الوطني، الذي يفترض أن يكون "برلمان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات"، إلى مؤسسة تُختار عضويتها من أعلى ثم يُطلب من الفلسطينيين منحها شرعية لم يشاركوا في صنعها.

وقال عفيفة إن خيارات عباس تضيق، موضحًا أن إجراء الانتخابات من دون توحيد فتح قد يكشف تراجع الحركة وعمق انقسامها، بينما سيؤدي تأجيلها إلى فتح ملف شرعية السلطة مجددًا، خصوصًا في ظل رسائل أوروبية ترفض مبررات جديدة للتأجيل من دون ظرف قاهر.

وأكد عفيفة أنه "لا يمكن فصل تسريع ترتيبات المجلس الوطني عن القلق من صندوق التشريعي"، معتبرًا أن "السلطة التي لا تضمن نتائج الانتخابات قد تبحث عن مؤسسة تضمن تشكيلها".

وشدد على أن "المجلس الوطني لا يحتاج إلى مقاعد جديدة بوجوه مختارة، بل إلى شرعية جديدة يصنعها الفلسطينيون بأنفسهم"، مضيفًا: "وما لم يحدث ذلك، سيبقى السؤال قائمًا: هل نحن أمام إعادة بناء النظام السياسي، أم أمام تحصين الاحتكار قبل أن يصل الناس إلى الصندوق؟".

وتتقاطع هذه الرؤية مع اعتراضات فلسطينية على آلية إعادة تشكيل المجلس، إذ رفضت فصائل وقوى فلسطينية الإجراءات الحالية، معتبرة أن الاعتماد على التعيين بدلًا من الانتخابات، إلى جانب تشكيل مجاميع انتخابية لا تمثل عموم الفلسطينيين، يتناقض مع أسس الشراكة الوطنية والديمقراطية.

وطالبت الفصائل بوقف الإجراءات والعودة إلى الحوار الوطني الشامل، والتوافق على قانون وآليات موحدة للانتخابات تضمن مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، وفي مقدمتها اللاجئون الفلسطينيون في الدول العربية ودول الشتات، معتبرة أن الفلسطينيين بحاجة إلى خطوات توحيدية تحمي قضيتهم وحقوقهم، لا إلى إجراءات تزيد الانقسام والتشرذم وتكرس الانفراد بالقرار الوطني.

و يركز الكاتب والمحلل السياسي هلال نصار على طبيعة التمثيل الذي ينبغي أن يعكسه المجلس الوطني، مشددًا على أن المجلس ليس مجلسًا حزبيًا أو تنظيميًا لجهة بعينها، وإنما أحد أطر التمثيل الوطني الفلسطيني.

ويشير نصار، في تصريح لـ"شهاب"، إلى أن النظام الانتخابي المعتمد لعام 2026 حدد عدد أعضاء المجلس الوطني بـ350 عضوًا، منهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات، مع اعتماد التمثيل النسبي الكامل والاقتراع المباشر حيثما أمكن.

ولفت إلى أن النظام أجاز في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات اللجوء إلى المجمع الانتخابي أو التوافق أو التعيين وفق أحكام النظام، مؤكدًا أن المجلس الذي يفترض أن يمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج يجب أن يقوم على الشراكة الوطنية والمشاركة السياسية.

وذكر أن التمثيل لا ينبغي أن يقتصر على البعد الجغرافي، وإنما يجب أن يعكس التنوع السياسي والاجتماعي والعمري والنسائي والشبابي والأكاديمي والثقافي والنقابي والمستقل واللاجئ والفلسطيني في الشتات، بما يجعل الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والشتات يشعر بأنه ممثل وله مكان داخل المؤسسة الوطنية.

ويرى نصار أن الانتخابات  فرصة لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الوطنية وتجديد شرعيتها، ولا تكتمل قيمة هذا الاستحقاق بمجرد إجراء الاقتراع، بل بمدى اتساع المشاركة وعدالة التمثيل واحترام التعددية والشراكة الوطنية.

جوهر الشرعية

أما الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، فيضع القضية عند مستوى آخر، معتبرًا أن ما يجري بشأن إعادة تشكيل المجلس الوطني بات اختبارًا مباشرًا لطبيعة الشرعية السياسية الفلسطينية ومصدرها.

وأوضح شاهين، في تصريح لـ"شهاب"، أن الإشكالية لا تتعلق بالشكل وحده، وإنما بجوهر الشرعية، متسائلًا: "إذا كان الفلسطيني في الشتات لا يملك حق اختيار ممثله بصورة مباشرة وتمنح مجموعة محدودة صلاحية تحديد من يدخل المجلس ومن يبقى خارجه، فإن السؤال الدستوري يصبح مشروعًا: من أين جاءت هذه المجاميع بالتفويض الذي يخولها ممارسة حق ملايين الفلسطينيين؟".

وحذر من أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المجلس الوطني من مصدر لصناعة الشرعية إلى أداة لإضفاء الشرعية على قرارات صنعت مسبقًا، وعندها تصبح العملية الانتخابية مجرد غطاء إجرائي لواقع سياسي قائم على الاحتكار.

وشدد على أن المطلوب ليس مجلسًا مفصلًا على مقاس سلطة أوسلو ولا مؤسسة رهينة لأي فصيل، بل مجلس يستعيد وظيفته التاريخية باعتباره عنوانًا للتمثيل الوطني الجامع.

وأضاف أن الشرعية لا تنتزع بالتعيين ولا تصنع بالمراسيم ولا تمنح عبر المجاميع المغلقة، مؤكدًا أن الشرعية تفويض شعبي، وأن أي التفاف عليها قد ينتج مجلسًا قائمًا قانونيًا في الشكل، لكنه يظل منقوص الشرعية سياسيًا ووطنيًا وتاريخيًا.

وتزداد حساسية ملف الشتات في ظل هذه الترتيبات، خصوصًا أن النظام خصص 150 مقعدًا للفلسطينيين خارج الوطن، بينما توجد جاليات فلسطينية تقول إنها قادرة على إجراء الانتخابات واختيار ممثليها، ما يطرح سؤالًا مباشرًا حول مبررات اختيار ممثلين عنها بدل تمكينها من ممارسة حقها الانتخابي.

كما أن استبعاد حركتي حماس والجهاد الإسلامي يضيف بعدًا آخر إلى أزمة التمثيل، إذ يثير تساؤلات حول قدرة المجلس الذي يجري تشكيله بهذه الطريقة على تقديم نفسه باعتباره إطارًا جامعًا لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني، خصوصًا أن منظمة التحرير يفترض أن تكون الإطار الوطني الجامع لا مؤسسة تعكس رؤية طرف سياسي واحد.

وفي الوقت ذاته، تكشف مواقف بعض الفصائل عن تناقض داخل عملية إعادة تشكيل المجلس، إذ تعترض قوى على التعيين وتطالب بالشراكة والانتخابات، بينما تشارك أطراف منها في بعض اللجان أو المجاميع الانتخابية التي تجري في إطار العملية الحالية، بما يعكس أزمة أعمق في آليات إدارة المؤسسات الوطنية وفي قدرة الفصائل على فرض مسار انتخابي جامع.

و لا تبدو القضية مرتبطة فقط بمن سيدخل المجلس الوطني في دورته المقبلة، وإنما بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وما إذا كان تجديد المؤسسات سيعيد الاعتبار إلى المشاركة الشعبية، أم سيقتصر على إعادة ترتيب المواقع والأسماء داخل مؤسسات يجري التحكم في تركيبها من أعلى.

وبينما تقدم الانتخابات التشريعية المقبلة بوصفها استحقاقًا لتجديد الشرعية، تضع طريقة تشكيل المجلس الوطني سلطة أوسلو أمام سؤال أكثر جوهرية: هل الفلسطينيون هم من يختارون ممثليهم، أم يجري اختيار الممثلين أولًا ثم مطالبة الفلسطينيين بمنحهم الشرعية؟

فالمجلس الوطني الذي يفترض أن يكون الإطار الأوسع لتمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات، يفقد جوهر وظيفته إذا تحولت الانتخابات إلى استثناء، والمجاميع الانتخابية إلى بديل دائم، والتعيين إلى أداة لإعادة إنتاج تركيبة سياسية قائمة.

المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم

١٣-٠٩-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.