أخبار الرياضة وكرة القدم
تقرير مياه الصرف الصحي تُغرق متنفَّس غزة الوحيد وتحوّله إلى بؤرة خطر بيئي وصحي
تقرير - شهاب
على امتداد نحو أربعين كيلومتراً هي طول شاطئ قطاع غزة، لم يَعُد البحر الذي طالما كان المتنفَّس الوحيد الذي يهرب إليه مئات الآلاف من النازحين هرباً من لهيب الخيام في صيفٍ تتجاوز حرارته داخل الخيام 45 درجة مئوية مساحةً آمنة.
فمع استمرار الحرب وانهيار منظومة الصرف الصحي، تحوّل الشريط الساحلي إلى مصبٍّ مفتوح لمياه المجاري غير المعالجة، في كارثة بيئية وصحية تتفاقم يوماً بعد يوم وتُطبِق على آخر متنفَّس بقي لأهل القطاع.
البحر الذي صار خطراً
رغم كل ما يحمله الشاطئ من خطر، يبقى البحر الملاذ الأخير الذي يلوذ به مئات الآلاف هرباً من جحيم الخيام. على شاطئ مخيّم الشاطئ غربي مدينة غزة، يقول النازح أسعد النجّار إن يومه صار يبدأ على وقعٍ مختلف: “أصبحنا نستيقظ على رائحة الصرف الصحي بدلاً من نسيم البحر”.
وعلى الرمل نفسه، نصب أحمد صيام خيمته بعد أن دُمِّر منزله، ليكتشف أن ملجأه الأخير لم يَعُد آمناً: “هربنا من القصف إلى البحر، لكن البحر نفسه أصبح ملوّثاً”. ومع ذلك لا يجد الناس بديلاً.
ويختصر النازح جهاد محمد هذه المعادلة القاسية بقوله: “يبقى البحر هو المنفذ الوحيد لنا، سواء كان ملوّثاً أم لا، لأنه لا يوجد مكان”. أما النازحة ناديا الناجي، وهي أمٌّ لأربعة أطفال، فتصف نزولها إلى الماء بأنه محاولةٌ لالتقاط الأنفاس وسط الضغوط: “جئتُ لأخفّف عن نفسي قليلاً من هذه الضغوط”. هكذا يجد سكان القطاع أنفسهم بين لهيب الخيمة وخطر المياه الملوّثة، بلا خيار ثالث.
أرقام تكشف حجم الكارثة
تقول بلدية غزة إن نحو 24 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي والمياه العادمة تُصرَّف يومياً إلى بحر المدينة دون أي معالجة، عبر خمسة مصبّات رئيسية مطلّة على الشاطئ.
وفي تصريحٍ صحفي وصف المتحدث باسم البلدية حسني مهنا الوضع بأنه “تحدٍّ بيئي وصحي بالغ الخطورة”، محذّراً من تسرّب المياه العادمة إلى الخزان الجوفي ومن انتشار الحشرات والقوارض في محيط أماكن النزوح.
أما على مستوى القطاع بأكمله، فتشير تقديرات نُشرت مطلع يوليو/تموز إلى أن كمية المياه العادمة غير المعالجة التي تصل البحر تتجاوز 130 ألف متر مكعب يومياً، بعد توقّف خمس محطات معالجة رئيسية عن العمل بفعل نقص الوقود والطاقة والدمار.
وكانت تقديرات في يونيو/حزيران قد قدّرت الكمية بين 80 و100 ألف متر مكعب تُصرَّف يومياً إلى البحر المتوسط ووادي غزة، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً في حجم الكارثة مع اشتداد حرّ الصيف.
خلف هذه الأرقام منظومة صرفٍ صحي انهارت بالكامل تقريباً. فبحسب بلدية غزة، جرى تدمير نحو 220 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، فيما تضرّرت ثماني محطات ضخ بصورة كلية أو جزئية. ومع خروج محطات المعالجة عن الخدمة، لم يَعُد أمام المياه العادمة من مسارٍ سوى الاندفاع نحو الشوارع وبين الخيام ثم إلى البحر مباشرة، لتغلق الدائرة على متنفَّسٍ كان الأخير.
من متنفَّس إلى مصدر مرض
الأثر الأخطر يظهر في أجساد الناس. فقد سجّلت المنظومة الصحية خلال أسبوعين نحو 9,300 إصابة بجدري الماء، وأكثر من 18 ألف إصابة جديدة بالأمراض الجلدية المُعدية (الجرب والقمل والجدري والحصف) في أسبوع واحد، وسط نحو 1.7 مليون نازح يتوزعون على أكثر من 1,600 موقع إيواء. وتربط “مجموعة الصحة” الأممية هذا الارتفاع بـ“الاكتظاظ الشديد وارتفاع الحرارة وتدهور خدمات المياه النظيفة”.
ويحذّر أطباء في القطاع من أن الأرقام الرسمية أقل من الواقع، فيقول استشاري طب الأطفال في مستشفى الرنتيسي الدكتور شريف مطر إن “الأعداد الفعلية للإصابات تفوق بكثير ما تُسجّله المرافق الصحية”، لأن كثيرين يعالَجون داخل مخيماتهم دون تسجيل.
ويشير مدير الإغاثة الطبية الدكتور بسام زقوت إلى أن أطفالاً وُلدوا خلال الحرب فقدوا سلسلة التطعيمات، بينما تحدّ القيود البيروقراطية من دخول الإمدادات الطبية.
ولا تبقى هذه الأرقام مجرّد إحصاءات؛ فخلف كل رقمٍ أسرةٌ تتقاسم وجعها داخل خيمة. في مخيّم التعاون بمدينة غزة، يروي النازح حمد الله سالم قنن (41 عاماً) كيف اجتاح الطفح الجلدي عائلته بأكملها: “الطفح الجلدي والحكة الشديدة وارتفاع الحرارة والإرهاق أصابت الجميع”، مضيفاً أن “ضيق مساحة الخيمة حال دون عزل أي مصاب، ما أدّى إلى إصابة جميع أفراد الأسرة”.
ويختصر النازح محمود فايز المصري (34 عاماً) قسوة لياليه بقوله: “أصعب اللحظات تكون ليلاً، عندما يشتدّ الألم ولا يستطيع طفلي النوم”.
ويؤكّد استشاري الأمراض الجلدية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد أبو سرية أن القطاع يشهد “ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد الإصابات مقارنة بالسنوات السابقة”.
ويجمع المختصون على أن ما يجري ليس أزمة عابرة بل كارثة بيئية وصحية مركّبة تتطلّب تدخلاً عاجلاً: إعادة تشغيل محطات المعالجة والضخّ، وتوفير الوقود والطاقة، وإدخال معدّات الصيانة، ومسحٍ بيئي شامل للشاطئ والخزان الجوفي.
وحتى يتحقق ذلك، يبقى بحر غزة المتنفَّس الوحيد لمليونَي إنسان رهينةً بين موجتين: موجة الحرب التي دمّرت بنيته، وموجة الصرف الصحي التي تحوّله ببطء إلى مصدر خطرٍ يومي يلاحق من لجأوا إليه طلباً للنجاة.
المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم
٠٨-٠٨-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.