أخبار الرياضة من موريتانيا

أخبار الرياضة وكرة القدم

الشهيد حمدي لبد.. لاعب وصحفي جمع بين الملاعب والكلمة


الشهيد حمدي لبد.. لاعب وصحفي جمع بين الملاعب والكلمة

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

٠٣-١١-٢٠٢٦

لم تكن حرب الإبادة على قطاع غزة مجرد استهداف للمنازل والبنية التحتية، بل امتدت نيرانها لتطال الشباب والكفاءات في مختلف المجالات، وفي مقدمتها القطاع الرياضي والإعلامي، الذي فقد خلال الحرب مئات الوجوه التي صنعت حضورها بالجهد والمثابرة، وتركت بصمات مؤثرة في الأندية والمؤسسات الرياضية الفلسطينية.

ولم تكن الرياضة الفلسطينية بمنأى عن عمليات الاستهداف المباشر والشامل، إذ غادر الملاعب عدد كبير من اللاعبين والمدربين والإداريين، بعدما تحولت أحلامهم الرياضية ومشاريعهم المهنية إلى ذكريات تختزنها ذاكرة زملائهم ومحبيهم.

ومن بين هؤلاء الأبطال، يبرز اسم اللاعب والصحفي الشهيد حمدي فلاح محمود لبد، المعروف بلقب "أبو إسلام"، الذي جمع في مسيرته بين الشغف بكرة القدم وأمانة الكلمة، وترك أثرا طيبا في الوسطين الرياضي والإعلامي، قبل أن تنتهي حكايته تحت أنقاض منزله برفقة زوجته وبناته.

ولد الشهيد حمدي لبد في مدينة غزة يوم 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987، ونشأ محبا لكرة القدم، التي شكلت جزءا أساسيا من حياته منذ سنواته الأولى.

ولم يكتف بممارسة هوايته، بل حرص على استكمال تعليمه الجامعي، حتى نال شهادته من جامعة الأقصى، متخصصا في الصحافة والإعلام، ليجمع بين المعرفة الأكاديمية والشغف الرياضي.

بدأ حمدي رحلته الكروية من الملاعب المدرسية والساحات الشعبية، حيث كانت المواهب الفلسطينية تشق طريقها بإمكانات محدودة، لكنها تمتلك طموحات كبيرة.

ونجح في تلك المرحلة في تحقيق لقب بطولة مناطق غزة عن منطقة الرمال الشمالي، ضمن بطولات الساحات الشعبية، ليخطو أولى خطواته نحو مسيرة رياضية أكثر تنظيما.

وانضم في بداياته إلى نادي اليرموك الرياضي، قبل أن ينتقل إلى صفوف نادي الجلاء، ثم نادي الوفاق، وخاض تجارب كروية مميزة مع قطبي مدينة دير البلح، الخدمات والاتحاد، تحت قيادة المدرب حسام لبد، الذي عرف إمكاناته عن قرب وأشرف على تدريبه خلال تلك المرحلة.

وبعد سنوات من التنقل بين الأندية، عاد حمدي إلى ناديه الأم اليرموك، ليصبح أحد أبرز عناصر الفريق، ويحمل شارة القيادة، في مسؤولية عكست مكانته بين زملائه وثقتهم بقدراته داخل الملعب وخارجه.

وخاض "أبو إسلام" مع اليرموك منافسات دوري الدرجتين الأولى والثانية، وقدم مستويات لافتة في مركز خط الوسط، حيث امتلك قدرة على قراءة اللعب وربط الخطوط وصناعة الفرص، إلى جانب مساهماته التهديفية التي حسمت مباريات مهمة وغيرت نتائج مواجهات صعبة.

ولم تكن قيمته داخل الملعب مرتبطة بقدراته الفنية وحدها، فقد عرفه زملاؤه لاعبا منضبطا يتمتع بروح رياضية عالية، ويحرص على مساندة زملائه، خصوصا اللاعبين الناشئين، ونقل خبرته إليهم، ليكون قائدا داخل المستطيل الأخضر وخارجه.

 

من الملاعب إلى مهنة الصحافة

إلى جانب مسيرته الرياضية، حمل حمدي لبد شغفا آخر تمثل في العمل الصحفي، مستندا إلى دراسته الأكاديمية في جامعة الأقصى، وإيمانه بأهمية الكلمة والصورة في نقل الحقيقة وتوثيق الأحداث.

وجمع الشهيد بين تجربتين تتطلبان الالتزام والمسؤولية، فكان يدرك أن الرياضة ليست مجرد منافسة على نتيجة أو لقب، بل مساحة للتواصل المجتمعي وصناعة الأمل، وأن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل رسالة تستند إلى المهنية والأخلاق.

وبهذا الجمع بين الرياضة والإعلام، جسد حمدي صورة الشاب الفلسطيني الذي يسعى إلى تطوير نفسه في أكثر من مجال، رغم الظروف الصعبة والتحديات التي فرضتها الحياة في قطاع غزة.

لكن الحرب وضعت حدا لمسيرته، ففي يوم الإثنين الموافق 9 سبتمبر/ أيلول 2024، استهدف قصف الاحتلال الإسرائيلي شقته السكنية الواقعة في شارع النفق بمدينة غزة، ليرتقي حمدي شهيدا برفقة زوجته وبناته، وتفقد المدينة عائلة كاملة في جريمة لم تترك خلفها سوى الألم والذكريات.

لم يكن الفقد مقتصرا على لاعب ارتدى قميص عدة أندية، أو صحفي امتلك أدوات المهنة وشغفها، بل امتد ليشمل زوجة وأطفالا حرموا من حقهم في الحياة والأمان، وأحلاما صغيرة كانت تنتظر أن تكبر بعيدا عن أصوات القصف والخوف.

وشكل استشهاد حمدي مع زوجته وبناته صورة مؤلمة لهذه المأساة، إذ لم تتوقف الخسارة عند غياب لاعب أو صحفي، وإنما امتدت إلى محو عائلة بأكملها من الحياة، تاركة وراءها ذكريات لا يمكن تعويضها، وأحلام أطفال لم تمنحهم الحرب فرصة لاستكمال طفولتهم.

وفي نادي اليرموك، كما في بقية المحطات التي مر بها خلال مسيرته، بقيت ذكريات حمدي حاضرة لدى زملائه الذين عرفوه عن قرب، وشاركوه التدريبات والمباريات واللحظات التي صنعت علاقاتهم داخل المستطيل الأخضر.

ويستذكره رفاقه لاعبا لم يكن يتعامل مع شارة القيادة باعتبارها امتيازا، بل مسؤولية تجاه الفريق، فكان أخا وناصحا للجميع، يدخل المباريات بروح تنافسية عالية، ويغادر الملعب بتواضعه وأخلاقه، بعيدا عن أي مظاهر للتعالي أو الاستعراض.

كما يصفه زملاؤه في نادي اليرموك بأنه كان "رمانة الميزان" في خط الوسط، بفضل قدرته على قراءة مجريات اللعب والتدخل في التوقيت المناسب، فضلا عن أهدافه الحاسمة التي صنعت الفارق في مواجهات عديدة.

أما في غرف الملابس، فكانت شخصيته القيادية أكثر وضوحا، إذ حرص على احتواء زملائه وتشجيع اللاعبين الصغار، ومساعدتهم على تجاوز الصعوبات، بما يعكس إدراكه أن بناء الفريق لا يتحقق بالمهارات الفنية وحدها، بل بالتعاون والاحترام وروح الجماعة.

ويؤكد مدربوه، ومن بينهم حسام لبد، الذي أشرف على تدريبه خلال تجربته مع خدمات دير البلح واتحاد دير البلح، أنه كان مثالا للانضباط والالتزام بالتعليمات الفنية والتكتيكية، ويتمتع بأخلاق رياضية عالية في تعامله مع المنافسين والحكام.

رحل حمدي لبد، وبقيت حكايته شاهدا على مسيرة شاب فلسطيني حاول أن يصنع لنفسه مكانا في الرياضة والإعلام، وأن يجمع بين حلم الملاعب ورسالة الصحافة، لكنه لم ينج من حرب طالت الإنسان وأحلامه وعائلته.

لم يعد قميص اليرموك وشارة القيادة مجرد تفاصيل في مسيرة لاعب، بل تحولا إلى رمزين لذكرى رجل ترك أثرا في نفوس من عرفوه، فيما بقيت مأساة زوجته وبناته تذكيرا بأن الخسارة الحقيقية لا تقاس بعدد الأهداف أو البطولات التي ضاعت، بل بحياة كاملة أطفأتها الحرب.

وستظل قصص الرياضيين الفلسطينيين الذين ارتقوا خلال الحرب جزءا من ذاكرة الملاعب، وشاهدا على حجم ما فقدته الرياضة في غزة، بعدما تحولت أسماء لاعبيها ومدربيها وإدارييها إلى حكايات يرويها زملاؤهم للأجيال القادمة، عن مواهب لم تستكمل أحلامها، وعن أبطال غادروا الملاعب قسرا، لكن آثارهم بقيت حاضرة في ذاكرة من شاركوهم الطريق.

المصدر: فلسطين أون لاين و موقع كل يوم

٠٣-١١-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.