كيف أصبح النشامى قوة في الكرة الآسيوية؟

أخبار الرياضة وكرة القدم

شادي أبو العراج.. مسيرة من الملاعب إلى الأسر والتعذيب ثم الشهادة


شادي أبو العراج.. مسيرة من الملاعب إلى الأسر والتعذيب ثم الشهادة

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

٢٩-١٠-٢٠٢٦

من بين ثنايا الوجع والقهر الذي يعيشه الشعب الفلسطيني خلال الحرب على قطاع غزة، تبرز حكايات الشهداء الذين ارتقوا على مدار السنوات الثلاث الماضية، تاركين خلفهم ذكريات لا تُمحى، ومسيرات لم يُكتب لها أن تكتمل، وأحلاما أجهضتها آلة الحرب والدمار.

1020 شهيدا من الرياضيين الفلسطينيين رحلوا عن أنديتهم وملاعبهم، قبل أن يتمكنوا من إكمال الطريق الذي بذلوا سنوات من أعمارهم وجهدهم وتضحياتهم من أجله؛ طريق المنافسة وتحقيق الانتصارات ورفع الكؤوس وصناعة المجد الرياضي. 

غادروا الحياة، لكنهم تركوا خلفهم حكايات إنسانية ورياضية ستظل حاضرة في ذاكرة زملائهم وجماهيرهم، ولن تمحوها المجازر والجرائم والدمار الذي طال مختلف مناحي الحياة في قطاع غزة.

ومن بين هذه الحكايات، تبرز سيرة الشهيد شادي فايز حماد أبو العراج، المعروف بلقب "أبو يامن"، حارس المرمى الذي ارتبط اسمه بنادي خدمات خان يونس، وامتدت رحلته الرياضية سنوات طويلة، كان خلالها مثالا للعطاء والالتزام والانتماء، قبل أن تنتهي حياته في واحدة من المجازر التي شهدتها مدينة خان يونس خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع.

15 عاما بين القائمين

وُلد شادي أبو العراج في 10 مايو/أيار 1988، في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، وبدأت حكايته مع كرة القدم من بوابة نادي خدمات خان يونس، الذي احتضن خطواته الأولى في الملاعب، وشهد تطوره حارسا للمرمى، حتى أصبح أحد الأسماء المرتبطة بتاريخ النادي ومسيرته الرياضية.

لم يكن الوقوف بين القائمين بالنسبة إلى أبو العراج مجرد مركز داخل الملعب، بل مسؤولية تتطلب الشجاعة والتركيز والتضحية، وهي صفات حرص على إظهارها خلال مشواره الرياضي.

وعلى مدار نحو 15 عاما، دافع عن مرمى فريقه، وشارك في منافسات دوري الدرجتين الممتازة والأولى، مقدما مستويات مميزة جعلته يحظى بتقدير جماهير ناديه وزملائه في الملاعب.

ارتبط اسم أبو العراج بخدمات خان يونس بوصفه ناديه الأم، الذي عاش بين جدرانه تفاصيل رحلته الرياضية، من التدريبات والمباريات إلى لحظات الفرح بالانتصارات والبطولات، مرورا بخيبات الخسارة التي كانت جزءا من طبيعة المنافسة.

وفي كل تلك المحطات، ظل حاضرا بروحه القتالية وحرصه على مساندة زملائه، ساعيا إلى تعزيز ثقتهم بأنفسهم ومساعدتهم على تجاوز اللحظات الصعبة داخل المستطيل الأخضر.

وبعد سنوات قضاها مع خدمات خان يونس، انتقل الحارس إلى نادي نماء، أحد أندية شمال قطاع غزة، قبل أن يخوض تجربة أخرى مع نادي الصداقة، ثم يحط رحاله في محطته الأخيرة مع نادي شباب خان يونس، الذي انضم إليه عام 2001.

ولم تقتصر تجربة أبو العراج على كرة القدم التقليدية، إذ مثّل منتخب كرة القدم الشاطئية حارسا للمرمى، خلال فترة تولي المدرب سامي سالم قيادة المنتخب، ليضيف إلى مسيرته تجربة أخرى في الملاعب، ويؤكد قدرته على خوض المنافسات في أكثر من مجال كروي.

 

بصمة تتجاوز حدود الملعب

لم تقتصر مكانة شادي أبو العراج بين الرياضيين على مستواه الفني وقدراته في حراسة المرمى، بل ارتبط اسمه كذلك بأخلاقه وعلاقاته الطيبة داخل الوسط الرياضي، ولا سيما بين جماهير خدمات خان يونس التي واكبت مسيرته لسنوات طويلة.

كان الحارس جزءا من ذاكرة النادي وجماهيره، وشاهدا على مراحل مختلفة من رحلته، إذ تقاسم مع زملائه أفراح الفوز ومرارة الخسارة، وظل حريصا على بث الروح المعنوية بينهم، ومساندتهم في الأوقات التي تتطلب مزيدا من الصبر والإصرار.

وبالنسبة إلى زملائه ومحبيه، لم يكن أبو العراج مجرد لاعب يرتدي قميص فريقه ويدافع عن مرماه، بل رفيقا في رحلة طويلة جمعتهم فيها التدريبات والمباريات والطموحات المشتركة. وهي تفاصيل قد تبدو عادية في حياة الرياضيين، لكنها تتحول مع رحيل أصحابها إلى ذكريات ثمينة تستعيدها الأندية والجماهير، وتستحضر من خلالها ملامح أشخاص تركوا أثرا يتجاوز النتائج والأرقام.

لكن الحرب على قطاع غزة وضعت حدا لهذه الرحلة، ودفعت أبو العراج، شأنه شأن آلاف الفلسطينيين، إلى مواجهة واقع قاسٍ لم يكن للرياضة فيه مكان آمن، بعدما تحولت الملاعب والأحياء والمنازل إلى مساحات تطاردها الغارات، وأصبح النجاة من القصف والنزوح والاعتقال تحديا يوميا.

من مرارة النزوح والسجن إلى الاستشهاد

خلال الحرب، عاش شادي أبو العراج فصولا قاسية من المعاناة، تنقل خلالها بين النزوح والخوف على حياته وحياة من حوله، قبل أن يتعرض للاعتقال خلال اجتياح مدينة خان يونس.

ونُقل أبو العراج إلى سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث تعرض، للتعذيب والضرب، في ظروف خلّفت آثارا جسدية بالغة، وصلت إلى تعرض عظام في القفص الصدري للكسر. وبعد فترة الاعتقال، خرج ليواجه واقعا شديد الصعوبة، في ظل استمرار الحرب وما خلفته من دمار واسع ومعاناة إنسانية متفاقمة.

ورغم ما تعرض له من أذى جسدي ونفسي، حاول أبو العراج استعادة حياته والتغلب على الظروف القاسية التي أحاطت به، في وقت كان فيه الفلسطينيون في خان يونس يواجهون يوميا مخاطر القصف والنزوح وفقدان الأحبة.

غير أن رحلته لم تكتمل؛ ففي 13 يوليو/تموز 2024، استشهد أبو العراج خلال مجزرة وقعت بالقرب من دوار النص في مدينة خان يونس، بعدما هبّ لمساعدة الجرحى الذين سقطوا جراء استهداف المنطقة.

وقتها اندفع أبو العراج للمساهمة في إنقاذ المصابين، في موقف جسّد جانبا من إحساسه بالمسؤولية تجاه الآخرين، قبل أن تتعرض المنطقة للقصف مجددا، ليسقط شهيدا وسط مجزرة كبيرة ارتقى فيها 93 مواطنا.

هكذا انتهت حياة حارس المرمى الذي أمضى سنوات في حماية شباك فريقه، وهو يحاول إنقاذ أرواح الجرحى، في مشهد تختلط فيه المأساة الإنسانية بمعاني التضحية والفداء. فالرجل الذي اعتاد الوقوف بين القائمين لصد الكرات وحماية مرماه، وجد نفسه في أيام الحرب أمام مسؤولية إنسانية أكبر، بعدما دفعه واجبه تجاه المصابين إلى الاقتراب من مكان الخطر.

حكاية لا تختصرها الأرقام

رحل شادي أبو العراج، لكن حكايته بقيت شاهدا على المصير الذي واجهه الرياضيون الفلسطينيون خلال الحرب على قطاع غزة، حيث لم تعد سنوات التدريب والمنافسة والإنجازات ضمانة للنجاة، ولم تعد الملاعب بمنأى عن المأساة التي طالت المجتمع بأكمله.

وفي مسيرته، اجتمعت فصول الرياضة والإنسانية؛ حارس مرمى عرفته جماهير ناديه بالعطاء والأخلاق، ورياضي تنقل بين الأندية والمنتخبات، وفلسطيني عاش النزوح والاعتقال والتعذيب، قبل أن يستشهد وهو يحاول إنقاذ آخرين.

المصدر: فلسطين أون لاين و موقع كل يوم

٢٩-١٠-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.