أخبار الرياضة وكرة القدم
تقرير ترند "آخر أيام الصيفية" يثقل رؤوس الغزيين بهموم شتاء النزوح ويفتح نافذة على معاناتهم
خاص / شهاب
في الوقت الذي يجتاح فيه ترند "آخر أيام الصيفية" منصات التواصل الاجتماعي حول العالم، وينشغل الناس بالتقاط الصور وتوديع موسم واستقبال آخر بما يحمله من أجواء متجددة، يستقبل الغزيون الشتاء بطريقة مختلفة للمرة الرابعة منذ حرب الإبادة ؛ فبينما يترقب آخرون تبدّل الطقس وتفاصيل الفصل الجديد، ينشغل النازحون بما لا يظهر في صور الترند، وبأسئلة تفرضها قسوة الواقع: كيف ستصمد خيامهم أمام أول عاصفة؟ وأين سيجففون ملابس أطفالهم إذا غمرتها المياه؟ وكم ليلة أخرى سيقضونها على فراش مبتل او تحت المطر؟
وكشف المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن حرب الإبادة "الإسرائيلية" خلّفت دمارًا واسعًا في القطاع السكني، طال 227,703 مبانٍ و510 آلاف وحدة سكنية في مختلف مناطق القطاع، فيما تحولت مئات آلاف الوحدات إلى مساكن مهدمة أو غير صالحة للإقامة.
غير صالحة للعيش
وقال المكتب إن الاحتلال دمّر بشكل كلي 335 ألف مبنى ووحدة سكنية، بينما دمّر 75 ألفًا بشكل جزئي وأصبحت غير صالحة للسكن، ليصل إجمالي الوحدات المهدمة كليًا أو التي لم تعد صالحة للإقامة إلى 410 آلاف وحدة. وأضاف أن أكثر من 100 ألف وحدة سكنية تعرضت لأضرار جزئية، لكنها لا تزال صالحة للسكن، في وقت تحتاج فيه أكثر من 350 ألف أسرة فلسطينية إلى الإيواء، نتيجة فقدان مساكنها أو عدم صلاحيتها للعيش.
وفيما يتعلق بالخيام ومراكز الإيواء، ذكر المكتب الإعلامي الحكومي أن عدد الخيام المهترئة وغير الصالحة للإقامة تجاوز 162 ألف خيمة من أصل نحو 270 ألف خيمة، بينما تعرض أكثر من مليوني فلسطيني للنزوح بفعل سياسة التهجير القسري خلال سنوات الحرب.
وأشار المكتب إلى أن الاحتلال قصف 346 مركزًا للإيواء والنزوح القسري، ما زاد من صعوبة توفير أماكن آمنة للعائلات التي فقدت منازلها واضطرت إلى الانتقال بين مناطق القطاع.
وقدّر المكتب الإعلامي الحكومي الخسائر المباشرة التي لحقت بالقطاع الإسكاني بنحو 34 مليار دولار، ليكون القطاع الأكثر تضررًا ضمن إجمالي الخسائر المباشرة في غزة، المقدرة بأكثر من 80 مليار دولار.
في مخيم قريب من حوض الميناء بمدينة غزة، تعيش دعاء أبو شخصة مع عائلتها وسط خيام تقول إنها لم تعد صالحة لتوفير الحماية اللازمة للنازحين، بعد أن تآكلت بفعل القِدم والتعرض المستمر لأشعة الشمس، فيما مزقت القوارض أجزاءً منها وتركت فيها فتحات من أماكن مختلفة.
وتستعيد أبو شخصة ما عاشته خلال الشتاء الماضي، حين تحولت خيمتها، مع أول هطول للأمطار، إلى بركة من المياه والوحل، وتسربت المياه إلى الفراش والملابس واحتياجات عائلتها، ما تسبب في تلف غالبية ما كانوا يملكونه من أطعمة حينها.
وتقول إن دخول المياه إلى الخيمة يعني أن أفراد الأسرة يصبحون عرضة للغرق والبلل والمرض، هي وأطفالها، مضيفة أن ذلك يعني أيضًا أنهم لن يتمكنوا من الجلوس على الأرض لفترات طويلة قد تمتد لأيام، حتى يتوقف المطر وتشرق الشمس من جديد، ليبدأوا بتجفيف ملابسهم وفراشهم على مدار أيام أخرى.
وتشير إلى أنها تخشى تكرار تلك المعاناة مع حلول الشتاء المقبل، وما قد تحمله من مخاطر على أطفالها في ظل الإقامة داخل خيمة متهالكة، موضحة أن العائلة لا تملك مقومات تتيح لها مواجهة الأمطار والبرد أو حماية احتياجاتها من المياه المتسربة.
فوق قدرةالاحتمال
وتلفت أبو شخصة إلى قلة المساعدات التي تصل إلى النازحين، خصوصًا الخيام والفرشات والأغطية، موضحة أن جميع النازحين يحتاجون إلى مستلزمات إيواء تحميهم من الأمطار والبرد، في وقت لا تزال فيه خيام كثيرة داخل المخيم متآكلة وغير صالحة لتوفير الحماية اللازمة.
وتقول إن العيش داخل الخيام للعام الرابع على التوالي يفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال، في ظل غياب أبسط مقومات الحياة واستمرار معاناة الأسر التي فقدت منازلها.
وتضيف أن العالم لا يزال صامتًا أمام ما يعيشه النازحون، معتبرة أن هذا الصمت يشكل خذلانًا كبيرًا للعائلات التي تواجه الشتاء في خيام لا تقيها قسوة الطقس.
وتؤكد أبو شخصة أن أكثر ما يقلقها هو أن تجد نفسها وأطفالها أمام الظروف ذاتها التي عاشوها في الشتاء الماضي.
من جانبه، حذّر مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، إسماعيل الثوابتة، من تداعيات الأوضاع الحالية مع اقتراب فصل الشتاء، مشيرًا إلى أن أكثر من 60% من خيام النازحين أصبحت مهترئة وغير صالحة للاستخدام.
وأوضح الثوابتة، في تصريح صحفي، أن الطواقم الحكومية المختصة أجرت حصرًا ميدانيًا شاملًا لواقع مخيمات النزوح، أظهر أن 162 ألف خيمة خرجت عن الخدمة من أصل 270 ألف خيمة تؤوي العائلات النازحة في مختلف محافظات القطاع.
وأضاف أن هذه الخيام لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية للنازحين أو الصمود أمام الرياح والأمطار وبرد الشتاء، مشيرًا إلى أن العائلات التي تقيم فيها، وفي مقدمتها الأطفال والنساء والمرضى، تحتاج إلى استبدال خيامها بشكل فوري.
وحذّر الثوابتة من أن استمرار أزمة الإيواء الحالية دون تدخل عاجل سيجعل الشتاء المقبل "شتاءً كارثيًا"، مؤكدًا أن المؤسسات الحكومية تواصل متابعة ملف النازحين وإيصال احتياجاتهم إلى الجهات الدولية والمنظمات الأممية والمؤسسات الإنسانية والإغاثية.
وطالب المجتمع الدولي بالضغط لفتح المعابر وإدخال مئات الآلاف من الخيام الجديدة والمجهزة، إلى جانب مواد الإغاثة الشتوية العاجلة، محذرًا من تداعيات تأخر الاستجابة للاحتياجات الإنسانية للنازحين في ظل الظروف الجوية القاسية وغياب مقومات الحياة الأساسية.
ظاهرة "إل نينيو"
وفي تحذير من تداعيات الشتاء في قطاع غزة، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن نحو مليوني فلسطيني لا يزالون بحاجة إلى مساعدات الإيواء، في وقت لا تغطي فيه الإمدادات المتاحة لدى الشركاء الإنسانيين سوى 17% من الاحتياجات المحددة لموسم الشتاء.
وأوضحت المنظمة، في بيان، أن الفلسطينيين يواجهون الشتاء الرابع في ظل أزمة النزوح، من دون حماية كافية من الأمطار والفيضانات والبرد، مشيرة إلى أن نحو نصف الخيام والمآوي المؤقتة القائمة في القطاع في حالة سيئة أو سيئة جدًا وتحتاج إلى الاستبدال، بحسب بيانات مجموعة المأوى الفلسطينية التي تشارك المنظمة في تنسيق أعمالها.
وحذّرت المنظمة من أن نمطًا قويًا من ظاهرة "إل نينيو" قد يؤدي إلى شتاء أكثر رطوبة وطولًا وشدة في قطاع غزة، موضحة أن نحو 1.8 مليون شخص يقيمون في مواقع النزوح، يقع معظمها في مناطق معرضة لخطر الفيضانات، وفق مجموعة إدارة المواقع.
وقال كارل بيكر، منسق الاستجابة الإقليمية للمنظمة الدولية للهجرة في غزة، إن نقص التمويل والقيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال مستلزمات الإيواء الأساسية يحدّان من قدرة المنظمات الإنسانية على تلبية الاحتياجات. وأضاف أن المنظمة لديها نحو 8,600 حزمة إيواء طارئة مخزنة خارج القطاع، تتضمن الأخشاب والأغطية المشمعة ومواد أساسية لتركيب المآوي، لكنها لم تحصل على الموافقات اللازمة لإدخالها.
ولا تقتصر صعوبات الاستعداد للشتاء على تهالك الخيام ونقص مستلزمات الإيواء، بل تمتد إلى الكلفة الاقتصادية التي تواجه الأسر النازحة عند محاولة إصلاح خيامها أو استبدالها، في ظل تراجع قدرتها الشرائية وغياب مصادر الدخل المنتظمة.
وقال الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر إن اقتراب فصل الشتاء يضيف عبئًا اقتصاديًا جديدًا على الأسر النازحة في قطاع غزة، موضحًا أن تأمين مأوى قادر على مواجهة الأمطار والبرد بات يمثل كلفة إضافية لا تستطيع كثير من العائلات تحملها.
وأشار أبو قمر لـ"شهاب" إلى ارتفاع أسعار مستلزمات الإيواء، إذ ارتفع سعر الشادر من نحو 130 إلى 170 شيكلًا، فيما تصل أسعار الأنواع الأكبر إلى نحو 230 شيكلًا، بينما ارتفع سعر الخيمة من 1300 إلى 1700 شيكل.
كلفة نزوح عالية
وأوضح أن الأسر التي تعجز عن شراء خيام جديدة تضطر إلى ترميم الخيام القديمة، وهو ما يحمّلها نفقات متكررة لشراء مواد الإصلاح؛ إذ يبلغ سعر متر خشب "المشطاح" نحو 10 شواكل، والمسمار نحو شيكل واحد، فيما يصل سعر متر أسياخ البناء إلى نحو 5 شواكل، وارتفع سعر متر سلك الربط من شيكل واحد إلى 4 شواكل.
وأضاف أن ترميم الخيام المهترئة يتطلب شراء الأخشاب والشوادر والأسياخ والمسامير وأسلاك الربط بصورة متكررة، ما يضع الأسر أمام مفاضلة بين الإنفاق على المأوى وتلبية احتياجات أساسية أخرى، مثل الغذاء والمياه والعلاج، في ظل محدودية المدخرات وتزايد الأعباء المعيشية.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة التي أشار إليها أبو قمر، يحتاج نحو 1.98 مليون شخص، أي 94% من سكان قطاع غزة، إلى مساعدات الإيواء والمواد غير الغذائية، فيما يواجه نحو 58% من السكان احتياجات إيواء حرجة أو كارثية.
وأكد أبو قمر أن الأسرة التي لا تملك القدرة على شراء خيمة جديدة تجد نفسها مضطرة إلى إنفاق ما يتوافر لديها على ترميم خيمة قديمة، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإيواء، بالتزامن مع تراجع القدرة على الإنفاق والقيود المفروضة على الإمدادات، يزيد صعوبة تأمين مأوى ملائم مع اقتراب الشتاء.
وبينما تتداول منصات التواصل صور "آخر أيام الصيفية"، يستعد الغزيون لأيام قد لا يجدون فيها ما يحميهم من المطر سوى خيام أنهكها النزوح، واختبار جديد لقدرة العائلات على الاحتمال، في ظل مأوى لا يقيها قسوة الشتاء ولا برده.
المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم
١٢-١٠-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.