أخبار الرياضة وكرة القدم
عندما يصبح الملعب اختباراً للأخلاق: من الإساءة المُدانَة للساروت إلى "الكلمة تبني"
الجماهير- محمود جنيد…
في خضم موسم رياضي سوري يعود تدريجياً إلى الساحات العربية والقارية، تظهر بين الحين والآخر حوادث تُذكر بأن المنافسة الرياضية ليست معزولة عن القيم التي يحملها المجتمع.
ما جرى مؤخراً من إساءة طالت رموز الثورة السورية، و تحديداً حارس ومنشد الثورة الشهيد عبد الباسط الساروت، خلال مباراة جمعت الوحدة والكرامة، لم يكن حادثاً عابراً في مدرجات أو تعليقات جانبية " لغو مدرجات"؛ لقد انحرف عن جوهر التنافس الرياضي المشروع ليدخل في منطقة خطاب الكراهية والتحريض، وهو الخطاب الذي تسعى حملة "الكلمة تبني" إلى مكافحته.
الساروت ليس اسماً يمكن تجاوزه بصمت؛ فهو قبل أن يكون منشداً للثورة، كان حارس مرمى برز في نادي الكرامة ومنتخب سوريا للشباب، قبل أن يترك الملاعب لينضم إلى الحراك الشعبي؛ هذا التداخل بين الرياضة والثورة يجعل من الإساءة إليه في سياق رياضي أمراً بالغ الدلالة: فحين يتحول مدرج كرة السلة إلى منصة لترديد خطاب كراهية ضد رمز وطني، فإن الرسالة تتجاوز الرياضة إلى ما هو أعمق.
هنا تأتي أهمية حملة "الكلمة تبني"، التي تنطلق من فكرة أن التعبير المسؤول واحترام الكرامة الإنسانية ليسا ترفاً، بل ضرورة لحماية النسيج المجتمعي. الحملة لا تهدف إلى تقييد حرية التعبير، بل إلى الحد من انتشار الرسائل التي تغذي الانقسام والعنف والتحريض. هذه الأهداف تصطدم مباشرة بما حدث في المباراة: إساءة إلى رمز وطني تحت غطاء التشجيع الرياضي.
خطاب الكراهية والتحريض ينشر الخوف والانقسام، ويضعف مقومات بناء الدولة؛ واستهداف أي سوري بهذا الخطاب يمثل عداء للسوريين جميعاً؛ هذه المقولة تنطبق تماماً على ما جرى: الإساءة إلى الساروت ليست إساءة إلى فرد، بل إلى ذاكرة جماعية وشهداء ضحوا من أجل سوريا وحريتها وكرامتها.
الرياضة، في جوهرها، مساحة للتنافس الشريف لا لتصفية الحسابات؛ و موقف الأندية السورية الرسمي المندد و المستنكر بشدة، و بيان وزارة الرياضة والشباب الذي أعقب الحادثة، وأعلن عن تشكيل لجنة تحقيق عليا وتفريغ التسجيلات لتحديد المتسببين، يشكل خطوة ضرورية لكنها ليست كافية وحدها؛ فالمعالجة الأعمق تبدأ من الاعتراف بأن المدرجات ليست معزولة عن الخطاب العام، وأن ما يُقال تحت شعار التشجيع قد يتحول إلى أداة تحريض إذا لم يضبط بحدود الاحترام.
حملة "الكلمة تبني" تحمل في عنوانها معنى مزدوجاً: الكلمة قد تبني، وقد تهدم. في سوريا التي تخرج من سنوات طويلة من العنف والانقسام، كل كلمة تقال في مدرج أو على منصة أو خلف شاشة تحمل وزناً إضافياً؛ والرياضة، التي طالما جمعت السوريين حول فريق أو منتخب، ليست بمنأى عن هذا الاختبار، الإساءة إلى الساروت في ملعب رياضي ليست مجرد خطأ في التشجيع، بل مؤشر على أن خطاب الكراهية لا يزال يجد منافذ يعبر منها، وعلينا جميعاً تقع مسؤولية بتر شأفته.
الدرس المستفاد واضح: لا يمكن بناء رياضة سورية جديدة على أنقاض احترام الرموز الوطنية؛ والكلمة التي تبني هي التي تعرف متى تصمت، ومتى تحترم، ومتى تفرّق بين المنافسة المشروعة والإساءة المقصودة.
المصدر: الجماهير و موقع كل يوم
٢١-١٠-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.