أخبار الرياضة وكرة القدم
خاص مجلة الهديل:الألعاب القتالية… هل هي رياضة جيدة أم عنف مبرح؟
خاص مجلة الهديل:
بقلم: محمد سويرة..
تُعتبر الفنون القتالية من أقدم أشكال الرياضة والنشاط البدني في العالم، وقد ظهرت في بداياتها كوسيلة للدفاع عن النفس، قبل أن تتطور عبر الزمن وتتحول إلى رياضات لها قوانين وبطولات ومدارس وأساليب تدريب متخصصة. ومع انتشار رياضات مثل الكاراتيه، الجودو، التايكواندو، الملاكمة، المصارعة، الجوجيتسو والكيك بوكسينغ، يبقى السؤال مطروحاً: هل نحن أمام رياضة مفيدة، أم أمام شكل من أشكال العنف المبرح؟
في الواقع، لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع الرياضات القتالية، لأن الأمر يعتمد بدرجة كبيرة على نوع الرياضة وطريقة ممارستها والهدف منها. فالرياضات القتالية الحديثة تقوم في معظمها على قواعد واضحة وتدريب منظم، ولا يدخل اللاعب إلى الحلبة أو البساط بهدف إيذاء خصمه بشكل عشوائي، بل يسعى إلى تحقيق الفوز من خلال مهارات محددة وضمن قوانين تحمي الطرفين.
ومن أشهر هذه الرياضات الكيك بوكسينغ، التي تجمع بين تقنيات اللكم والركل، فيما تتميز الملاكمة التايلاندية باستخدام اليدين والقدمين والركبتين والمرفقين وفق قواعد خاصة. أما الكاراتيه، التي تعني حرفياً «اليد الفارغة»، فهي من أبرز الفنون القتالية التي نشأت في اليابان، وتعتمد على مجموعة واسعة من تقنيات الضرب والدفاع والحركة والانضباط البدني.
وبعيداً عن الجانب القتالي، تحمل هذه الرياضات فوائد بدنية ونفسية عديدة. فالتدريب المنتظم يساعد على تقوية العضلات، وتحسين القدرة على التحمل والمرونة والتوازن، إضافة إلى تطوير سرعة رد الفعل والتنسيق بين العين واليد. كما أن اللاعب يحتاج إلى التركيز المستمر وقراءة حركة منافسه واتخاذ القرار في أجزاء من الثانية، ما يجعل التدريب القتالي نشاطاً ذهنياً إلى جانب كونه نشاطاً بدنياً.
أما الجانب النفسي، فهو ربما من أهم ما تقدمه الفنون القتالية. فالالتزام بالتدريب يعلّم اللاعب الانضباط والصبر وتحمل المسؤولية واحترام الخصم والسيطرة على الانفعالات. وفي كثير من مدارس الفنون القتالية، لا تُعتبر القدرة على توجيه الضربة هي الإنجاز الأهم، بل القدرة على التحكم بالنفس ومعرفة متى يجب استخدام القوة ومتى يجب تجنبها.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل المخاطر المرتبطة بهذه الرياضات. فالكدمات والالتواءات والإصابات العضلية والكسور قد تحدث، فيما ترتفع المخاطر في الرياضات التي تتضمن ضربات قوية ومتكررة، خصوصاً على الرأس. لذلك تبقى ممارسة هذه الرياضات بشكل آمن مرتبطة بوجود مدرب مؤهل، والالتزام بالقوانين، واستخدام معدات الحماية المناسبة، وعدم تجاوز حدود الجسم أو تجاهل الإصابات.
وهنا تحديداً يظهر الفرق الحقيقي بين الرياضة القتالية والعنف. عندما يتدرب شخصان داخل نادٍ رياضي، ويعرف كل منهما القواعد والحدود، ويوافقان على المنافسة، فإن ذلك يختلف تماماً عن استخدام القوة ضد شخص آخر بهدف إيذائه أو فرض السيطرة عليه. الرياضة تقوم على القواعد والموافقة والانضباط، بينما يقوم العنف على الإكراه وإلحاق الأذى.
كما أن اكتساب مهارات قتالية لا يعني بالضرورة أن يصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى العنف. على العكس، التدريب الصحيح قد يمنح اللاعب ثقة أكبر بالنفس وقدرة أفضل على التحكم بردود أفعاله وتجنب المواجهات غير الضرورية، لأنه يصبح أكثر إدراكاً لخطورة استخدام القوة خارج إطارها الصحيح.
في النهاية، يمكن القول إن الألعاب القتالية ليست عنفاً مبرحاً بحد ذاتها، بل هي رياضات تستخدم تقنيات قتالية ضمن إطار من القواعد والانضباط والتدريب. لكنها قد تتحول إلى خطر عندما تُمارس بطريقة عشوائية، أو من دون إشراف، أو عندما يصبح الهدف منها إيذاء الآخرين بدلاً من تطوير المهارات والتنافس الرياضي.
فالقتال داخل الحلبة قد يكون رياضة… أما العنف خارجها فهو قرار آخر تماماً.
المصدر: الهديل و موقع كل يوم
١٢-٠٨-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.