أخبار الرياضة من المغرب

أخبار الرياضة وكرة القدم

تقرير قلقيلية محاصرة من الأرض إلى السماء.. الاحتلال يلاحق تمددها رأسيًا


تقرير  قلقيلية محاصرة من الأرض إلى السماء.. الاحتلال يلاحق تمددها رأسيًا

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

١٨-٠٨-٢٠٢٦

تقرير/ شهاب

تواجه مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية حملة "إسرائيلية" جديدة تستهدف مبانيها المرتفعة، بعدما تصاعد التحريض ضد العمارات السكنية في المدينة، ووصل إلى المطالبة بهدم بعضها وفرض قيود على ارتفاع المباني، بذريعة قربها من المناطق المحتلة عام 1948 ومن شارع رقم 6.

تحريض متداول

وخلال الأيام الماضية، تداول "إسرائيليون" مقاطع مصورة لمدينة قلقيلية، ركزت على ارتفاع العمارات وقربها من الخط الأخضر، مع الحديث عن إمكانية رؤية شارع 6 والمناطق الواقعة خلفه من نوافذ وأسقف بعض المباني. وتزامن ذلك مع مطالبة عضو الكنيست "الإسرائيلي" أريئيل كالنر بهدم مبانٍ في المدينة، بدعوى أنها تشكل خطرًا بسبب ارتفاعها وموقعها القريب من الطريق.

ولم تتوقف المطالب عند مبانٍ قائمة، إذ تحدثت مصادر "إسرائيلية" عن دراسة فرض قيود جديدة على البناء في قلقيلية، من بينها تحديد ارتفاع المباني بما لا يتجاوز عشرة طوابق، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التضييق على التوسع العمراني في المدينة.

غير أن ارتفاع العمارات في قلقيلية لا يمكن فصله عن طبيعة المدينة والظروف التي فرضها الاحتلال على نموها. فالمدينة التي كانت تمتد بين البساتين والحقول الزراعية فقدت مساحات واسعة من أراضيها بفعل الجدار والمستوطنات والطرق الالتفافية، ولم يعد أمام سكانها المجال نفسه للتوسع الأفقي.

ولم تفقد قلقيلية أراضيها بفعل الجدار وحده، إذ تحاصر "إسرائيل" المدينة وقراها بأكثر من 25 مستوطنة وبؤرة استيطانية أقيمت فوق أراضي المحافظة منذ عام 1975، إلى جانب شبكة من الطرق الالتفافية والحواجز والبوابات العسكرية التي تقطع امتدادها الجغرافي وتفرض قيودًا على حركة الفلسطينيين، في مقابل تسهيل حركة المستوطنين.

وتستحوذ هذه المستوطنات على أكثر من نصف مساحة المحافظة، فيما يعيش فيها مستوطنون من غلاة الداعمين للاستيطان، بينهم وزير المالية "الإسرائيلي" بتسلئيل سموتريتش المقيم في مستوطنة "كدوميم" شرق المحافظة. ولم يعد هذا الانتشار الاستيطاني مجرد تجمعات سكنية متناثرة حول المدينة، بل أصبح جزءًا من واقع جغرافي يضيّق باستمرار المساحة المتاحة أمام الفلسطينيين.

وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى تصنيف أراضي المحافظة؛ فمن أصل نحو 170 ألف دونم، لا تتجاوز المساحات المصنفة "أ" و"ب" 3%، بينما تقع 97% من أراضيها ضمن المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة "الإسرائيلية" على التخطيط والبناء، الأمر الذي يضع قيودًا كبيرة على وصول المواطنين إلى أراضيهم وعلى قدرتهم على استصدار تراخيص البناء وتوسيع تجمعاتهم السكانية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح اتجاه سكان قلقيلية إلى البناء متعدد الطوابق مفهومًا بوصفه نتيجة لضيق المجال المتاح أمام المدينة، لا باعتباره خيارًا عمرانيًا يمكن فصله عن مصادرة الأرض والاستيطان والقيود المفروضة على التوسع. فكلما تقلصت المساحة التي يستطيع الفلسطينيون البناء عليها، ازدادت الحاجة إلى استغلال المساحة داخل المدينة عموديًا.

مدينة مخنوقة

ويقول مدير بلدية قلقيلية سائد خضر إن عدد سكان المدينة وصل إلى نحو 65 ألف نسمة، فيما تقلصت المساحة المتاحة للتوسع العمراني إلى أكثر قليلًا من 4 كيلومترات مربعة، ما جعل تأمين مساكن جديدة لآلاف السكان مرتبطًا باستغلال المساحة المتبقية داخل حدود المدينة.

ومع تزايد السكان وتراجع الأراضي المتاحة للبناء، أصبح التوسع الرأسي الخيار الأكثر واقعية أمام العائلات، فظهرت العمارات متعددة الطوابق بوصفها استجابة مباشرة لأزمة الأرض، وليس تحولًا عمرانيًا منفصلًا عن الواقع الذي تعيشه المدينة.

ويشير خضر إلى أن قلقيلية كانت تُعرف سابقًا بـ"المدينة الخضراء"، بسبب انتشار البساتين والحقول حول منازلها، إلا أن تقلص الأراضي دفع السكان تدريجيًا إلى البناء داخل المساحات المتبقية، بعدما أصبح التوسع الأفقي أكثر صعوبة وكلفة.

وتزداد أزمة الأرض تعقيدًا بسبب موقع قلقيلية الملاصق للخط الأخضر؛ فجدار الفصل الذي أقامه الاحتلال عزل أجزاء من أراضيها الزراعية، وقيد وصول أصحابها إليها، بينما ساهمت الطرق الالتفافية والمستوطنات والإجراءات العسكرية في اقتطاع مساحات أخرى من المجال المحيط بالمدينة.

كما تقع غالبية أراضي محافظة قلقيلية ضمن المناطق المصنفة "ج"، التي يسيطر الاحتلال فيها على التخطيط والبناء، الأمر الذي يضع قيودًا كبيرة على قدرة الفلسطينيين على توسيع مخططاتهم الهيكلية والحصول على تراخيص البناء.

وفي هذا السياق، لا ينظر الفلسطينيون إلى أزمة المباني المرتفعة باعتبارها مشكلة عمرانية قائمة بذاتها، وإنما باعتبارها نتيجة لمسار أطول جرى خلاله تضييق المساحة المتاحة للمدينة، في الوقت الذي استمر فيه التوسع الاستيطاني في محيطها.

وتبرز مستوطنة "كدوميم" باعتبارها إحدى أبرز بؤر التوسع الاستيطاني في محافظة قلقيلية، وهي المستوطنة التي يقيم فيها وزير المالية "الإسرائيلي" بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز الداعمين للاستيطان في الضفة الغربية. وخلال الأشهر الماضية، طُرحت مخططات لإقامة مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة في محيطها، إلى جانب شق طرق وتطوير البنية التحتية المرتبطة بها.

ولا تقتصر هذه المخططات على "كدوميم"، إذ تشهد مستوطنات أخرى في المحافظة مشاريع لإضافة وحدات سكنية وتوسيع نطاق البناء، في وقت تتواصل فيه السيطرة على الأراضي المحيطة بالمدن والبلدات الفلسطينية.

تحريض على المباني 

وهنا تظهر المفارقة التي يضعها الفلسطينيون في صلب المشهد: ففي الوقت الذي يجري فيه الدفع نحو توسيع المستوطنات وإضافة مبانٍ وطرق جديدة في محيط قلقيلية، يتصاعد التحريض على المباني الفلسطينية داخل المدينة نفسها، ويُطرح ارتفاعها باعتباره مشكلة أمنية تستوجب التدخل.

وتتركز الحجج "الإسرائيلية" الجديدة على قرب بعض العمارات من شارع 6، وعلى إمكانية مراقبة المناطق الواقعة داخل الأراضي المحتلة عام 1948 من المباني المرتفعة. وقال عضو الكنيست أريئيل كالنر إن أحد المباني في قلقيلية يقع على بعد نحو 200 متر من شارع 6، ويبلغ ارتفاعه نحو 30 مترًا، مطالبًا جيش الاحتلال بالتعامل معه وهدمه.

وبذلك، انتقل التحريض من الحديث عن مبنى بعينه إلى طرح قيود يمكن أن تطال نمط البناء في المدينة بأكمله، خصوصًا مع الحديث عن تحديد ارتفاع العمارات الجديدة. وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول الذريعة الأمنية إلى سياسة أكثر اتساعًا للحد من النمو العمراني الفلسطيني.

ويقول المختص بالشأن الاستيطاني محمد أبو الشيخ إن التحريض الحالي يأتي ضمن سياسة "إسرائيلية" قديمة تجاه قلقيلية، مشيرًا إلى أن الاحتلال يسعى إلى تحويل هذا الخطاب إلى إجراءات وقرارات على الأرض.

ويضيف أبو الشيخ أن التجمعات السكانية المحيطة بقلقيلية تواجه أوامر تتعلق بوقف البناء والهدم، في وقت لا يمنح فيه الاحتلال الفلسطينيين المساحة اللازمة لتوسيع مخططاتهم الهيكلية، محذرًا من أن فرض قيود إضافية على ارتفاع المباني سيزيد من أزمة السكن في المدينة.

ولا تنفصل هذه التطورات عن الموقع الجغرافي لقلقيلية، فالمدينة التي جعلها موقعها القريب من الخط الأخضر محط اهتمام أمني "إسرائيلي" على مدار سنوات، تدفع في الوقت نفسه ثمن هذا الموقع من أراضيها ومساحتها العمرانية. وكلما تقلصت الأراضي المتاحة حولها، ارتفعت الحاجة إلى استغلال المساحة داخلها بصورة أكثر كثافة.

ولهذا فإن العمارات المرتفعة التي تبدو اليوم في مرمى التحريض "الإسرائيلي" ليست سوى نتيجة لواقع عمراني فرض نفسه على المدينة. فقد أُغلقت أمام قلقيلية مساحات واسعة من أراضيها، وأصبح التوسع الأفقي أكثر صعوبة، بينما تواصل المستوطنات والطرق والجدار إعادة تشكيل محيطها.

سياسة تضييق متواصلة

أما اليوم، فتواجه المدينة معادلة أكثر تعقيدًا: الأرض المتاحة للتوسع محدودة، والتوسع الأفقي مقيد، والبناء الرأسي الذي لجأ إليه السكان لتجاوز أزمة الأرض أصبح هو الآخر موضع استهداف.

وبالنسبة لسكان قلقيلية، لا يتعلق الأمر بعدد الطوابق التي يمكن أن ترتفع إليها العمارات فحسب، وإنما بالمساحة التي سيُسمح لهم أصلًا بالبناء عليها والعيش فيها. فبعدما فقدت المدينة جزءًا كبيرًا من مجالها الزراعي والعمراني، باتت المساحة المتبقية داخلها موردًا محدودًا يتعين على السكان استغلاله لاستيعاب أعداد متزايدة من العائلات.

ومن هنا، فإن المطالبة بمنع ارتفاع المباني أو هدم بعضها لا تبدو بالنسبة للفلسطينيين إجراءً منفصلًا عن واقع المدينة، بل امتدادًا لسياسة تضييق متواصلة على نموها. فإذا كان التوسع الأفقي قد اصطدم بمصادرة الأرض والجدار والمستوطنات والطرق، فإن استهداف المباني المرتفعة يضع التوسع الرأسي نفسه أمام القيود.

وهكذا لا تعود قضية عمارات قلقيلية مجرد خلاف حول الارتفاع أو قرب مبنى من شارع 6، وإنما تصبح جزءًا من معركة أوسع على الأرض والمساحة والقدرة على النمو داخل مدينة تقلص المجال المتاح لها عامًا بعد عام.

المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم

١٨-٠٨-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.