أخبار الرياضة من فلسطين

أخبار الرياضة وكرة القدم

تقرير مرض وراثي يهدد حياة طفلين في غزة.. إبراهيم أصغر طفل يخضع لغسيل الكلى ونعيمة تنتظر دورها


تقرير  مرض وراثي يهدد حياة طفلين في غزة.. إبراهيم أصغر طفل يخضع لغسيل الكلى ونعيمة تنتظر دورها

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

٣٠-٠٧-٢٠٢٦

خاص / شهاب 

يبدو سرير المستشفى أكبر من جسد إبراهيم عبدالله. الطفل ذو الأعوام الخمسة يستلقي بصمت قاهر، بينما تمتد الأنابيب من ذراعه الصغيرة إلى جهاز غسيل الكلى الذي أصبح جزءًا من حياته، بعدما دمّر مرض وراثي نادر كليتيه وأوصله إلى مرحلة متقدمة من الفشل الكلوي.

إلى جواره تجلس شقيقته نعيمة، ذات الأعوام السبعة، لا تفارق السرير طوال الجلسة. جاءت لترافق شقيقها، لكنها تعرف، كما تعرف والدتها والأطباء، أن المرض الذي ينهك جسده يسكن جسدها أيضًا. فقد وصلت كليتاها إلى المرحلة الخامسة والأخيرة من الفشل الكلوي، ولم يعد يفصلها عن جهاز الغسيل سوى وقت قصير.

اضطراب وراثي نادر

ولم تتوقف معاناة إبراهيم عند الفشل الكلوي، فقبل أسابيع أصيب بنزيف في الدماغ أدى إلى شلل في الجهة اليسرى من جسده، ليصبح بحاجة إلى كرسي متحرك وبرنامج تأهيل عصبي، إلى جانب جلسات غسيل الكلى المنتظمة.

وُلد الشقيقان وهما يحملان مرض فرط أوكسالات البول الأولي، وهو اضطراب وراثي نادر ينتج عن خلل في إنزيمات الكبد يؤدي إلى إنتاج كميات كبيرة من الأوكسالات، التي تترسب داخل الكليتين حتى تدمرهما، وقد تمتد إلى أعضاء أخرى مع تطور المرض. ومع مرور السنوات، تحولت المراجعات الطبية إلى إقامة شبه دائمة في المستشفى، بينما كانت الأسرة تراقب بصمت كيف ينتزع المرض طفولة طفليها.

ويقول الطبيب المشرف على حالتهما إن إبراهيم أصبح أصغر طفل يخضع لغسيل الكلى في المستشفى بعد أن فقدت كليتاه وظيفتهما بالكامل، بينما وصلت نعيمة إلى المرحلة الأخيرة من الفشل الكلوي، ما يعني أنها قد تحتاج إلى بدء جلسات الغسيل في أي لحظة.

ويضيف أن حالة إبراهيم ازدادت تعقيدًا بعد إصابته بنزيف في الدماغ، في حين يحتاج الطفلان بصورة عاجلة إلى تحويل طبي خارج قطاع غزة لتقييم إمكانية إجراء زراعة كلى، وربما زراعة كبد أيضًا، باعتبار أن المرض يبدأ من خلل في الكبد، وهي تدخلات علاجية لا تتوفر داخل القطاع، محذرًا من أن تأخير تحويلهما قد يقلص فرص إنقاذ حياتهما.

لكن حكاية إبراهيم ونعيمة ليست استثناءً داخل قسم غسيل الكلى، بل واحدة من مئات القصص التي تتكشف يوميًا مع استمرار تدهور الخدمات الصحية في قطاع غزة.

ويقول المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، الدكتور منير البرش، إن النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد التشغيلية اللازمة لتشغيل أجهزة غسيل الكلى أجبر الطواقم الطبية على تقليص الخدمات، بعدما كان المرضى يتلقون ثلاث جلسات أسبوعيًا مدة كل منها أربع ساعات، فيما لا يحصلون اليوم إلا على جلستين أسبوعيًا، لا تتجاوز مدة الواحدة ثلاث ساعات، وهو ما يهدد حياتهم بشكل مباشر، لأن كل ساعة تُقتطع من جلسة الغسيل تعني بقاء السموم داخل أجساد المرضى.

ويشير البرش إلى أن قطاع غزة كان يضم قبل الحرب أكثر من 1400 مريض بالفشل الكلوي، توفي أكثر من نصفهم، فيما لا يزال نحو 700 مريض يصارعون المرض في ظل نقص حاد في الأدوية والمحاليل الطبية، وبيكربونات الصوديوم، وهرمون علاج فقر الدم، إلى جانب استمرار منع إدخال المستهلكات الطبية اللازمة لتشغيل أجهزة الغسيل.

ويضيف أن استهداف المنظومة الصحية أدى إلى تدمير عدد من مراكز غسيل الكلى، بينما يعمل المركز في مجمع الشفاء بإمكانات محدودة بعد تعرضه لأضرار كبيرة، الأمر الذي يضاعف الضغط على الطواقم الطبية ويقلص قدرة المستشفى على تقديم الخدمة للمرضى.

على قيد الحياة

ويصف البرش ما يواجهه مرضى الفشل الكلوي بأنه "إبادة جماعية صامتة"، موضحًا أن المرضى لا يفقدون حياتهم بسبب أمراضهم فقط، بل بسبب حرمانهم من العلاج المنقذ للحياة.

ويطالب بفتح المعابر أمام سفر المرضى، والسماح بإدخال الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عمل أجهزة غسيل الكلى، داعيًا المجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية إلى التدخل العاجل لمنع فقدان مزيد من المرضى.

وخلال ساعات الغسيل، لا تبتعد نعيمة عن شقيقها. تراقب الممرضين وهم يتابعون عمل الجهاز، بينما تتنقل بنظرها بين وجه إبراهيم وشاشة الجهاز التي أصبحت مألوفة لها أكثر من ألعاب الأطفال. في الغرفة نفسها، ينتظر عشرات المرضى دورهم على الأجهزة القليلة، فيما يحاول الطاقم الطبي أن يوازن بين الاحتياج المتزايد والإمكانات المتناقصة.

ومع انتهاء الجلسة، يفصل الممرض الأنابيب عن ذراع إبراهيم الصغيرة، ثم يساعده أحد أفراد أسرته على النهوض. يحاول الطفل أن يخطو، لكن آثار الشلل تجعل حركته بطيئة وثقيلة. وبعد يومين سيعود إلى السرير نفسه، ليبدأ جولة جديدة من العلاج الذي يبقيه على قيد الحياة.

أما نعيمة، فتغادر القسم ممسكة بحقيبة شقيقها الصغيرة، فيما يبقى السؤال الذي يلاحق أسرتها والأطباء معًا: كم من الوقت يفصلها عن السرير ذاته؟

وتختصر حكاية إبراهيم ونعيمة واقع مئات مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة، الذين لا يواجهون المرض وحده، بل يواجهون أيضًا نقص العلاج، وتراجع الخدمات الصحية، وتأخر فرصة النجاة.

ولا تطلب الأسرة أكثر من فرصة؛ فرصة للوصول إلى مركز طبي يستطيع أن يمنح الطفلين العلاج الذي يحتاجانه قبل أن يتحول الانتظار إلى حكم نهائي، وقبل أن يصبح السرير الذي يغادره إبراهيم اليوم، المكان الذي تبدأ عليه نعيمة رحلتها غدًا.

المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم

٣٠-٠٧-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.