أخبار الرياضة وكرة القدم
مونديال 2026 بين سقف الطموحات وضجيج المبالغات
بقلم: محمد سوبرة
وُصفت بطولة كأس العالم 2026، حتى قبل انطلاقها، بأنها "الأكثر غرابة" في تاريخ المسابقة، فيما ذهب بعض المتابعين إلى التشكيك في فرص نجاحها قبل أن تبدأ. فهذه النسخة ستكون الأولى التي تُقام بمشاركة 48 منتخباً، عبر 104 مباريات تستضيفها 16 مدينة موزعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، على امتداد 38 يوماً من المنافسات.
هذا التوسع غير المسبوق في عدد المنتخبات والمباريات يمثل أكبر مشروع تنظيمي في تاريخ البطولة، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام موجة واسعة من الشائعات والتكهنات التي رافقت التحضيرات، ما استوجب التوقف عند الكثير من المعلومات المتداولة وتمييز الحقيقة من المبالغة.
البداية كانت مع الحديث عن "عدم جاهزية بعض الملاعب" في الولايات المتحدة، حيث جرى تداول أخبار عن اعتراضات من بعض المنتخبات على أرضيات الملاعب. غير أن الوقائع تشير إلى أن الفيفا فرض استخدام العشب الطبيعي بدلاً من الصناعي في عدد من الملاعب الأمريكية، ما استدعى تنفيذ تعديلات فنية مؤقتة احتاجت إلى بعض الوقت للاستقرار. وقد تم التعامل مع هذه الملاحظات ضمن الأطر التنظيمية المعتادة، من دون تسجيل أي اعتراضات رسمية مؤثرة مع اقتراب موعد البطولة.
كما انتشرت صور ومعلومات زُعم أنها تُظهر وسائل نقل غير مناسبة لبعض المنتخبات المشاركة، إلا أن اللوائح التنظيمية للفيفا تلزم اللجنة المنظمة بتأمين وسائل نقل حديثة ومجهزة وفق معايير محددة لجميع المنتخبات، وهو ما يجعل الكثير من الروايات المتداولة أقرب إلى المبالغات الإعلامية منها إلى الوقائع الموثقة.
وشهدت الفترة الماضية أيضاً تداول أخبار عن عراقيل تعرضت لها بعض البعثات المشاركة في المطارات الأمريكية، إلا أن معظم ما تم تداوله يتعلق بإجراءات إدارية وأمنية مرتبطة بالتأشيرات والاعتمادات الرسمية، وهي إجراءات معتادة في الأحداث الرياضية الكبرى التي تستقبل آلاف الأشخاص بين لاعبين وإداريين وإعلاميين.
ومن النقاط التي أثارت الجدل كذلك، الحديث عن تعديلات جذرية في قوانين اللعبة خلال البطولة. والحقيقة أن النظام الأساسي للمباريات سيبقى كما هو، بشوطين واستراحة واحدة بينهما، فيما سيتم تطبيق بروتوكولات التبريد المعتمدة في البطولات الكبرى عند ارتفاع درجات الحرارة، حفاظاً على سلامة اللاعبين.
لكن إذا كانت بعض الروايات المتداولة تندرج ضمن خانة المبالغات، فإن هناك قضية حقيقية يصعب تجاهلها، وهي أسعار التذاكر. فمونديال 2026 مرشح لأن يكون الأغلى في تاريخ البطولة، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار المباريات الكبرى نتيجة اعتماد آليات التسعير الديناميكي، ما أثار انتقادات من جماهير كرة القدم التي ترى أن البطولة يجب أن تبقى متاحة لمختلف الفئات، لا أن تتحول إلى حدث تهيمن عليه الشركات وأصحاب الإمكانات المالية المرتفعة.
تنظيمياً، ستشهد البطولة نظاماً جديداً بمشاركة 48 منتخباً موزعين على 12 مجموعة، يتأهل الأول والثاني من كل مجموعة إلى جانب أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث، ليُقام لأول مرة دور الـ32 قبل الانتقال إلى الأدوار الإقصائية التقليدية.
كما ستعتمد البطولة أحدث التقنيات التحكيمية، وفي مقدمتها تقنية التسلل شبه الآلي، التي تهدف إلى تسريع اتخاذ القرارات وتقليل الأخطاء التحكيمية، إلى جانب استمرار الاعتماد على تقنية حكم الفيديو المساعد، بما يواكب التطور التكنولوجي المتسارع في عالم كرة القدم.
وتحمل هذه النسخة أهمية خاصة للكرة العربية، في ظل الحضور التاريخي لعدد من المنتخبات العربية التي تسعى إلى تكرار الإنجازات التي تحققت في النسخ الأخيرة، وفي مقدمتها الإنجاز المغربي التاريخي في مونديال قطر 2022، والذي فتح الباب أمام طموحات جديدة للكرة العربية على الساحة العالمية.
مونديال 2026 يقف اليوم عند مفترق طرق بين الطموح المشروع والمبالغات التي ترافق أي حدث عالمي بهذا الحجم. فالتوسع إلى 48 منتخباً يمنح دولاً جديدة فرصة كتابة تاريخها، لكنه يضع في المقابل تحديات تنظيمية ولوجستية غير مسبوقة أمام الفيفا والدول المستضيفة.
ورغم الضجيج الإعلامي الذي سبق البطولة، فإن الحكم الحقيقي لن يكون عبر الشائعات أو الانطباعات المسبقة، بل بما ستقدمه المنتخبات فوق أرض الملعب، وبقدرة المنظمين على إدارة أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم. فالتاريخ لا يتذكر عدد البيانات الصحفية ولا الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يتذكر المباريات الخالدة، واللحظات الاستثنائية، والأبطال الذين صنعوا الفارق.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سنكون أمام نسخة تكرّس نجاح النموذج الحديث الذي بدأ في قطر 2022، أم أننا سنشهد بطولة تعيد إلى الأذهان نسخاً تاريخية اتسمت بالمفاجآت والصدامات الكروية الكبرى مثل تشيلي 1962؟ الجواب سيكتبه اللاعبون والجماهير خلال أسابيع البطولة، أما المؤكد فهو أن مونديال 2026 دخل التاريخ قبل أن تنطلق صافرة البداية.
المصدر: الهديل و موقع كل يوم
١٣-٠٦-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.