أخبار الرياضة وكرة القدم
الشهيد محمد الصليبي.. هداف استثنائي وأخلاق صنعت محبته في ملاعب غزة
لم تكن كرة القدم بالنسبة له مجرد لعبة للركض خلف الكرة وهز الشباك، بل كانت رسالة أخلاق وأسلوب حياة، ترك من خلالها أثرا لا يمحى في قلوب كل من عرفوه داخل المستطيل الأخضر وخارجه.
لم يكن محمد الصليبي يقيس نجاحه بعدد الأهداف التي يسجلها أو الألقاب التي يحققها، بل بحجم المحبة التي يحظى بها، وبالعلاقات الإنسانية التي ينسجها مع زملائه ومنافسيه وجماهير الأندية التي ارتدى قمصانها.
في أزقة مدينة خانيونس، لم تكن الملاعب الفلسطينية بالنسبة للشهيد محمد حسين الصليبي (أبو حسين) مجرد مساحة للتنافس وإحراز الأهداف، بل كانت مسرحا لنسج حكاية وفاء، ورمزا لأخلاق عالية أجمع عليها الخصوم قبل الأصدقاء.
هناك بدأت رحلته مع كرة القدم، من الساحات الشعبية وفرق المساجد، قبل أن يتحول إلى أحد المهاجمين الذين تركوا بصمة واضحة في مسابقات الدرجتين الأولى والممتازة بقطاع غزة.
محمد الصليبي، المولود في الأول من يناير/كانون الثاني عام 1992، ترعرع في مدينة خانيونس وحاراتها، ولم يكن مجرد لاعب يعشق الشباك ويتصدر قوائم الهدافين، بل كان حالة إنسانية فريدة، قوامها الابتسامة الدائمة والروح الرياضية العالية والقلب الطيب الذي خطف محبة الجميع.
ومن نادي الشافعي وخدمات خانيونس، مرورا بالعطاء وأهلي النصيرات، وصولا إلى شباب الزوايدة، ترك الصليبي مع كل قميص ارتداه بصمة لا تمحى، وبقي اسمه حاضرا في ذاكرة الجماهير بوصفه واحدا من المهاجمين الذين جمعوا بين الحس التهديفي والالتزام داخل الملعب، وبين التواضع وحسن التعامل خارجه.
من الساحات الشعبية إلى صدارة الهدافين
بدأ الصليبي رحلته الكروية من فرق المساجد والساحات الشعبية في خانيونس، حيث تشكل شغفه الأول بكرة القدم، قبل أن يخوض تجربته الرسمية في دوري الدرجة الثالثة مع نادي الشافعي.
وهناك بدأت موهبته التهديفية تلفت الأنظار، بعدما أظهر قدرة على الوصول إلى الشباك وقراءة تحركات المدافعين، إلى جانب انضباطه والتزامه بالتدريبات والمباريات.
وبفضل المستويات التي قدمها، انتقل خريج تخصص اللغة العربية من جامعة الأقصى بغزة إلى صفوف نادي خدمات خانيونس، ليخوض تجربة جديدة في مسيرته ويؤكد امتلاكه إمكانات هجومية مميزة.
ولم تتوقف محطاته عند ذلك، إذ انتقل على سبيل الإعارة إلى نادي العطاء، مواصلا تقديم المستويات القوية، قبل أن يجد في تجربته مع شباب أهلي النصيرات محطة بارزة صنعت واحدة من أهم صفحات مسيرته الرياضية.
مع أهلي النصيرات، عاش الصليبي أزهى فتراته الكروية، وأصبح أحد العناصر المؤثرة في المنظومة الهجومية للفريق، مساهما بأهدافه الحاسمة في صعوده من دوري الدرجة الثانية إلى دوري الدرجة الأولى.
ولم يكن تأثيره مقتصرا على المساهمة في تحقيق الصعود، بل توج تألقه الفردي بالحصول على لقب هداف دوري الدرجة الأولى لموسم 2021-2022، ليؤكد مكانته بين أبرز المهاجمين في المسابقة.
كان ذلك التتويج ثمرة سنوات من العمل والاجتهاد، لكنه لم يغير من شخصيته أو طريقة تعامله مع الآخرين. فبالنسبة إلى الصليبي، ظلت كرة القدم مساحة للعطاء والعمل الجماعي، ولم تتحول النجومية أو الأرقام التهديفية إلى وسيلة للتعالي على زملائه أو منافسيه.
بعد تجربته الناجحة مع أهلي النصيرات، انتقل إلى تمثيل نادي شباب الزوايدة، ليشكل إضافة مهمة لخطه الهجومي، ويواصل مشواره في الملاعب الفلسطينية.
وكما فعل في محطاته السابقة، ترك أثرا طيبا لدى زملائه والجماهير، وبقيت صورته مرتبطة باللاعب الذي يمنح فريقه كل ما يملك، دون أن يفقد تواضعه أو احترامه للآخرين.
أخلاقه سبقت أهدافه
ما ميز محمد الصليبي لم يكن فقط حضوره أمام المرمى وقدرته على تسجيل الأهداف، بل أخلاقه العالية التي سبقت مهاراته الكروية.
عرف بهدوئه واحترامه الشديد للحكام والخصوم والزملاء، ولم يرتبط اسمه بمواقف التعصب أو الشغب طوال مسيرته، في صورة عكست فهما مختلفا لمعنى المنافسة الرياضية.
كان الصليبي مصدر طاقة إيجابية داخل غرف الملابس، وشخصية قادرة على احتواء الخلافات وتقريب وجهات النظر بين اللاعبين، خصوصا في الأوقات الصعبة. حمل التزاما كبيرا تجاه أنديته وجماهيرها، وكان حريصا على تقديم الأفضل، دون أن يسمح لضغوط المباريات أو حساسية المنافسة بالتأثير على علاقاته الإنسانية.
ويستعيد طارق طبارة، نائب رئيس نادي شباب أهلي النصيرات، ذكرياته مع الشهيد الصليبي، مؤكدا أنه لم يكن لاعبا عاديا، بل شخصية استثنائية اجتمعت على محبتها مختلف الأطراف داخل النادي.
ويقول طبارة إن الصليبي كان يتمتع بأخلاق عالية جعلته محبوبا من كل من يتعامل معه، مضيفا: "لم يكن لاعبا عاديا، بل قائدا وحلقة وصل بين اللاعبين والإدارة، وأي مشكلة تواجه أحد اللاعبين كان الحل عند محمد الصليبي".
ويستشهد طبارة بمواقف عديدة تعكس طبيعة شخصية الراحل، من بينها التزامه الكامل طوال أحد المواسم الرياضية، إذ لم يتغيب عن أي تدريب أو مباراة، كما لم يحصل خلال الموسم على أي بطاقة صفراء أو حمراء، وهو ما يعكس مدى انضباطه وحرصه على احترام قواعد اللعبة.
ومن المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرة مسؤولي وزملاء النادي، قصة توزيع دفعات مالية على اللاعبين بعد نهاية أحد المواسم. ففي الوقت الذي لم يكن فيه أحد اللاعبين راضيا عن قيمة المبلغ الذي حصل عليه، فاجأ الصليبي الجميع بمبادرته إلى منحه جزءا من مستحقاته الخاصة، في محاولة لإنهاء حالة الاستياء وإرضائه.
ويضيف طبارة أن للشهيد جانبا اجتماعيا محببا، إذ كان يعشق الحلويات عموما، والحلوى النابلسية خصوصا، وكان كلما قرر تناول الحلويات يحرص على دعوة أصدقائه واللاعبين، ويتكفل بالمصاريف من حسابه الشخصي.
وهي تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر جانبا من شخصيته المحبة للناس، وحرصه على مشاركة الآخرين لحظاتهم السعيدة.
شهيد في قافلة الرياضيين الفلسطينيين
وفي يوم الأربعاء الموافق 7 أغسطس/آب 2024، استشهد الكابتن محمد الصليبي برفقة شقيقه، إثر غارة جوية للاحتلال استهدفت منزلهما في محافظة خانيونس، لينضم إلى قافلة شهداء الحركة الرياضية الفلسطينية، ويترك خلفه مسيرة كروية وإنسانية حافلة بالمواقف التي لا تزال حاضرة في ذاكرة كل من عرفه.
برحيله، خسرت الملاعب الفلسطينية مهاجما كان يعرف طريق الشباك، وخسرت الأندية شخصية جمعت بين القيادة والتواضع والالتزام، فيما فقد زملاؤه صديقا اعتادوا اللجوء إليه عند الخلافات، ووجدوا لديه دائما كلمة طيبة وموقفا داعما.
ترجل "أبو حسين" عن المستطيل الأخضر بلا شغب ولا صخب، ولم تكن نهايته مجرد غياب لاعب عن قوائم الأندية، بل انطفاء حكاية إنسان ترك خلفه رصيدا من المحبة يفوق ما جمعه من أهداف وإنجازات.
لم يكن استشهاد محمد الصليبي خبرا عاديا بالنسبة لمن عرفوه، بل شكل صدمة كبيرة، لينضم إلى قائمة طويلة من شهداء الرياضة في غزة خلال حرب الإبادة.
وقدمت الرياضة الفلسطينية أكثر من 1020 شهيدا من كوادرها ولاعبيها وإدارييها خلال العدوان، بينهم أسماء بارزة من لاعبي كرة القدم الذين شكلوا جزءا من ذاكرة الأندية الغزية ومستقبلها.
لم تقتصر الخسارة على غياب لاعبين كانوا قادرين على صناعة الفارق في المباريات، بل امتدت إلى تدمير بنية رياضية كاملة، وفقدان جيل من المواهب التي كان يفترض أن تواصل مسيرة كرة القدم الفلسطينية.
وتحولت الملاعب التي احتضنت أحلام هؤلاء اللاعبين إلى أماكن مدمرة أو خارج الخدمة، فيما غابت أسماء اعتادت الجماهير رؤيتها في التشكيلات الأساسية وقوائم الهدافين.
قد تغيب أهداف محمد الصليبي عن سجلات المباريات، وقد لا يعود اسمه حاضرا في التشكيلات أو قوائم الهدافين، لكن سيرته ستظل حية في ذاكرة جماهير خانيونس وأهلي النصيرات وشباب الزوايدة، وفي شهادات زملائه الذين عرفوا فيه لاعبا استثنائيا وإنسانا نادرا.
المصدر: فلسطين أون لاين و موقع كل يوم
٣١-١٠-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.