أخبار الرياضة من قطر

أخبار الرياضة وكرة القدم

تقرير "ناتان".. عمل إنساني "مشبوه" وغسالة "سياسية" لجرائم الاحتلال في غزة


تقرير

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من فلسطين

٠٨-٠٩-٢٠٢٦

خاص / شهاب

أثار دخول جمعية "ناتان" الإسرائيلية إلى قطاع غزة عبر مؤسسات وشركاء يعملون داخل القطاع، في نشاط إنساني، تساؤلات واسعة حول أهدافه وتوقيته، بينما تواصل آثار الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال على مدار نحو ثلاثة أعوام حضورها في كل تفاصيل الحياة الفلسطينية، من المستشفيات التي دُمرت إلى المدارس التي قصفت والمنازل التي سُويت بالأرض، وسط حصار وتجويع واستهداف متواصل للمدنيين.

ولا تعمل "ناتان" داخل غزة بصورة مباشرة، وإنما تمر أنشطتها من خلال مؤسسات أخرى تتولى تنفيذ البرامج على الأرض، فيما تقدم الجمعية الإسرائيلية دعمًا واستشارات من خارج القطاع. ويأتي هذا الحضور في الوقت الذي تتولى فيه سلطات الاحتلال التحكم في حركة المساعدات ودخول المؤسسات والمنظمات الإنسانية إلى غزة.

من يصنع الكارثة 

وتحاول الجمعية، من خلال هذا مسارها الإنساني المزعوم ، الظهور في صورة المؤسسة "الإسرائيلية" التي تصل إلى الفلسطينيين لمساعدتهم، بينما ينتمي نشاطها إلى مجتمع ومؤسسات إسرائيلية تواصل الحرب والحصار، في مشهد يجمع بين من يصنع الكارثة ومن يظهر لاحقًا لمعالجة جزء محدود من آثارها.

وتكتسب هذه المفارقة بُعدًا أكثر حدة مع خلفية الإدارة الحالية للجمعية، إذ تتولى أليس ميلر قيادتها، وهي ضابطة ومهندسة طيران سابقة في سلاح الجو الإسرائيلي، خدمت في صفوفه لمدة عشر سنوات. ودرست هندسة الطيران و خاضت في تسعينيات القرن الماضي معركة قضائية ضد الجيش الإسرائيلي بعد رفض السماح لها بالتقدم إلى دورة الطيارين في سلاح الجو، وانتهت القضية بحكم قضائي فتح المجال أمام النساء للالتحاق بالدورة،  وبعد خدمتها العسكرية، واصلت العمل لسنوات في قطاعات الطيران والتكنولوجيا، قبل انتقالها لاحقًا إلى العمل الإنساني وتوليها منصب الرئيسة التنفيذية لجمعية "ناتان".

يعد سلاح الجو الإسرائيلي طرفًا مركزياً في حرب الإبادة على غزة، بل كان أداة رئيسية في القصف والاستهداف، ونفذ على مدار سنوات الحرب آلاف الغارات التي طالت الأحياء والمنازل والمنشآت المدنية، وأوقعت أعدادًا هائلة من الشهداء والجرحى، ضمن حرب وثقت فيها الأمم المتحدة انتهاكات وجرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.

ويصف الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة دخول "ناتان" إلى غزة بأنه مفارقة صارخة، معتبرًا أن المؤسسة الإسرائيلية تظهر في القطاع بوجه إنساني، بينما تقف "إسرائيل" نفسها خلف حرب الإبادة والدمار الذي طال مختلف مناحي الحياة الفلسطينية.

ويقول عفيفة إن الإشكالية لا تتعلق بوصول الطعام أو الدواء أو التعليم إلى الأطفال الفلسطينيين، وإنما في الصورة التي يمكن أن تنتج عن ظهور مؤسسة إسرائيلية باعتبارها جهة تقدم هذه الخدمات، بينما يغيب عن المشهد السياق الذي جعل الفلسطينيين بحاجة إليها، والمسؤولية عن الحرب والحصار والدمار الذي أصاب القطاع.

ويرى أن تقديم هذا الوجه الإنساني في ظل حرب الإبادة يمنح "إسرائيل" فرصة لإعادة إنتاج صورتها أمام المجتمع الدولي، من خلال إبراز مشاهد المساعدة والعلاج، مقابل تغييب الصورة الأوسع للحرب وما خلفته من قتل ودمار وتهجير وتجويع وحصار.

صورة الاحتلال.

ويشير عفيفة إلى أن المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما تدمر قوات الاحتلال المستشفيات والمنظومة التعليمية والخدمات الأساسية، ثم تظهر مؤسسة إسرائيلية للمساهمة في معالجة جانب محدود من آثار هذا الدمار، بما يسمح بتقديم رواية توحي بأن "إسرائيل" تؤدي دورًا إنسانيًا داخل غزة.

ويؤكد أن الإغاثة لا يمكن أن تتحول إلى "مغسلة سياسية"، وأن الطفل الفلسطيني لا ينبغي أن يصبح جزءًا من حملة علاقات عامة إسرائيلية، مشددًا على أن غزة تحتاج إلى كل دواء وكل وجبة، لكن ذلك لا يمنح الجهة التي تقدمها حق استخدام معاناة الفلسطينيين لتجميل صورة الاحتلال.

ويعتبر عفيفة أن المساعدات الحقيقية يمكن أن تصل إلى سكان غزة عبر مؤسسات إنسانية مستقلة ومحايدة، بعيدًا عن المشاريع التي تتحول فيها الكارثة الفلسطينية إلى مادة لتلميع صورة الاحتلال أمام العالم.

ويضع الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا نشاط "ناتان" في إطار يتجاوز تقديم المساعدات، مركزًا بصورة خاصة على محاولة الاقتراب من المجال التعليمي، معتبرًا أن التعليم لا يقتصر على توفير مقعد دراسي أو حقيبة مدرسية، بل يرتبط بالوعي والهوية والذاكرة والرواية الفلسطينية.

ويرى القرا أن دخول جهة إسرائيلية إلى هذا المجال يفتح الباب أمام التأثير في المحتوى والمعايير التي تصل إلى الأطفال، خصوصًا في ظل واقع فلسطيني دُمرت فيه المدارس والمؤسسات التعليمية، وأصبح الأطفال بحاجة إلى مساحات آمنة لاستعادة حقهم في التعليم والحفاظ على هويتهم.

ويشير إلى أن ذلك يأتي في ظل خطاب إسرائيلي متكرر حول إعادة تشكيل التعليم الفلسطيني ومواجهة ما تسميه "إسرائيل" تحريضًا، محذرًا من أن تتحول المساعدة التعليمية إلى مدخل للتأثير في وعي أطفال غزة وروايتهم عن الاحتلال والتهجير والاستيطان واللاجئين والأسرى وحقوق الشعب الفلسطيني.

ويؤكد القرا أن أي نشاط إنساني داخل غزة يجب أن يحافظ على استقلاليته، وألا يتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل وعي المجتمع الفلسطيني أو التأثير في روايته الوطنية، مشددًا على أن حاجة الأطفال إلى التعليم لا تعني فتح المجال أمام أي جهة للتدخل في مضمون العملية التعليمية أو توظيفها سياسيًا.

بوابة دعائية

ويشدد على أن غزة تحتاج إلى إغاثة واسعة وإعادة بناء مستشفياتها ومدارسها ومؤسساتها، لكن معالجة آثار الكارثة لا تعني إعفاء المسؤول عنها، مؤكدًا أن المجتمع الدولي مطالب بالضغط على الاحتلال وتحميله مسؤولية ما ارتكبه، وضمان وصول المساعدات عبر المؤسسات الفلسطينية والمنظمات الإنسانية الدولية المستقلة.

كما يرى أن على الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية حماية استقلال العمل الإغاثي في غزة، ومنع تحويل المساعدات إلى بوابة سياسية أو دعائية، والحفاظ على دور المؤسسات الفلسطينية في إدارة شؤون مجتمعها.

ويخلص القرا إلى أن المساعدات لا يمكن أن تحل محل المسؤولية والمحاسبة، ولا أن تحول الاحتلال من طرف تسبب في الكارثة إلى طرف يقدم نفسه باعتباره منقذًا لضحاياها، مؤكدًا أن أطفال غزة ليسوا مادة للعلاقات العامة، وأن احتياجاتهم الإنسانية والتعليمية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتجميل صورة الاحتلال أمام العالم.

بينما يحتاج أطفال غزة إلى من يعيد إليهم مدارسهم وحياتهم وحقوقهم التي دمرها الاحتلال، تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها: من تسبب في هذه الكارثة لا يمكن أن يظهر في صورة من ينقذ ضحاياها. فالمساعدات مطلوبة، وأطفال غزة بحاجة إلى كل ما يمكن أن يصل إليهم من غذاء ودواء وتعليم، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يحجب المسؤوليه ولا إلى مشهد جديد يُقدَّم فيه الاحتلال أمام العالم بوصفه طرفًا إنسانيًا، بينما الفلسطينيون يعيشون يوميًا نتائج الحرب التي صنعها.

المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم

٠٨-٠٩-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.