أخبار الرياضة وكرة القدم
عيسى الترك .. صانع النجوم الذي فضّل بناء الأجيال على مطاردة البطولات
بقلم عبد الرحمن الأمعري
في عالم كرة القدم، عادةً ما تُقاس قيمة المدربين بعدد البطولات التي يحققونها، لكن هناك مدربين يصنعون أثرًا أكبر من أي بطولة، لأنهم يساهمون في بناء أجيال كاملة من اللاعبين الذين يكتبون تاريخ اللعبة لاحقًا. وعندما يُطرح هذا المفهوم في الكرة الأردنية، يبرز اسم الكابتن عيسى الترك كواحد من أبرز النماذج التي جسدت هذه الفلسفة على أرض الواقع.
عيسى الترك، ابن النادي الأهلي الأردني، لم يكن مجرد لاعب سابق تحول إلى التدريب، بل كان مشروعًا كرويًا متكاملًا آمن بأن اللاعب هو أساس النجاح، وأن الاستثمار الحقيقي في كرة القدم يبدأ من الفئات العمرية والمواهب الشابة. فمنذ بداياته لاعبًا في صفوف الأهلي إلى جانب شقيقيه يعقوب الترك وعدنان الترك، ارتبط اسمه بالكرة الأردنية التي كانت تعيش مراحل مهمة من التطور في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
لكن الإصابة التي أنهت مسيرته لاعبًا مبكرًا لم تُنهِ علاقته بكرة القدم، بل فتحت له بابًا جديدًا ليصبح أحد أبرز المدربين الذين كرسوا حياتهم لاكتشاف المواهب وصقلها. وهنا بدأت الرحلة التي جعلت اسمه حاضرًا في ذاكرة أجيال متعاقبة من اللاعبين.
لم يكن عيسى الترك من المدربين الذين يبحثون عن الشهرة أو الأضواء، بل كان يؤمن بالعمل الصامت والنتائج طويلة الأمد. تأثر بالمدرب مظهر السعيد، كما تأثر بالمدرسة الألمانية وبفكر الأسطورة فرانز بيكنباور، وهو ما انعكس على شخصيته التدريبية التي جمعت بين الانضباط والاهتمام بالتفاصيل والعمل القاعدي.
وخلال مسيرته الطويلة، عمل مع عدد من الأندية الأردنية المهمة، من بينها الأهلي والبقعة وشباب الحسين والعربي والقادسية وشباب الأردن، ونجح في بناء فرق قادرة على منافسة الأندية الأكبر إمكانيات. ولم يكن نجاحه مرتبطًا بحجم الإنفاق أو عدد النجوم الجاهزين، بل بقدرته على اكتشاف المواهب وتحويلها إلى عناصر مؤثرة داخل الملعب.
وعندما يُذكر اسم عيسى الترك، تُذكر معه أسماء كثيرة صنعت حضورها في الكرة الأردنية. فمن أمجد الشعيبي ورائد عساف ومؤيد أبو كشك، إلى عثمان الشاهين ومصطفى شحديان وبسام الخطيب وصالح الجوهري، وغيرهم من اللاعبين الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز الأسماء في الساحة الكروية. وهي قائمة طويلة يصعب حصرها، لأن بصمته امتدت عبر أجيال متعددة وليس جيلًا واحدًا فقط.
ولم يقتصر تأثيره على اللاعبين، بل ساهم أيضًا في إعداد شخصيات رياضية تحولت لاحقًا إلى مدربين وإداريين وقادة داخل المنظومة الرياضية الأردنية، ما جعل أثره مستمرًا حتى بعد انتهاء فترات عمله في العديد من الأندية.
وعلى مستوى المنتخبات الوطنية، كانت له مساهمات مهمة في مراحل مختلفة من تاريخ الكرة الأردنية. فقد عمل ضمن الأجهزة الفنية للمنتخبات الوطنية، وكان حاضرًا في مراحل إعداد وتطوير العديد من المواهب التي مثلت الأردن لاحقًا على أعلى المستويات.
ومن أبرز المحطات التي تُحسب له، دوره في دعم فكرة مراكز الواعدين عندما كانت تُعرف باسم "مراكز الأمير عبدالله"، قبل أن تتطور لاحقًا إلى مراكز الأمير علي. ويُعد عيسى الترك، إلى جانب أحمد أبو شيخة، من أوائل المؤمنين بأهمية هذا المشروع الذي أسهم في اكتشاف وتطوير عدد كبير من المواهب الأردنية. وفي وقت لم تكن فيه فكرة الاستثمار المنظم في الفئات العمرية تحظى بالاهتمام الكافي، كان الترك من أوائل الداعين إلى بناء قاعدة قوية للمستقبل.
ولهذا السبب، فإن الحديث عن عيسى الترك لا يرتبط ببطولة محددة أو موسم معين، بل يرتبط بفكرة كاملة عنوانها "صناعة الأجيال". فالرجل لم يكن يبحث عن إنجاز سريع يضيفه إلى سيرته الذاتية، بل كان يعمل على مشروع طويل الأمد يقوم على بناء اللاعب وتطويره ومنحه الفرصة والثقة.
واليوم، وبعد عقود طويلة من العمل في الملاعب الأردنية، ما زالت نتائج هذا المشروع تظهر على أرض الواقع. ويُعد محمد طه أبو غوش واحدًا من أحدث الأسماء التي تعكس استمرار هذا النهج، بعد وصوله إلى المنتخب الأردني المشارك في كأس العالم 2026، ليكون امتدادًا جديدًا لمسيرة طويلة من صناعة المواهب.
وربما هنا يكمن الجدل الحقيقي. فبينما تُقاس مسيرة بعض المدربين بعدد الكؤوس التي رفعوها، تُقاس مسيرة عيسى الترك بعدد اللاعبين الذين قدمهم للكرة الأردنية. وبينما تبقى البطولات محفوظة في خزائن الأندية، يبقى اللاعبون الذين صنعهم شاهدين على أثره في كل ملعب وكل جيل.
قد يختلف الناس حول أفضل المدربين وأكثرهم تتويجًا، لكن من الصعب تجاهل اسم عيسى الترك عندما يكون الحديث عن بناء الأجيال واكتشاف المواهب. فهو لم يكن مجرد مدرب، بل مدرسة كروية متكاملة آمنت بالشباب، وراهنت على المستقبل، ونجحت في تقديم أسماء خدمت الكرة الأردنية لعقود.
ولهذا لم يكن لقب "شيخ المدربين" مجرد وصف عابر، بل استحقاق حقيقي لرجل أفنى عمره في خدمة الكرة الأردنية، وصنع النجوم قبل أن يصنعوا أمجادهم، وترك إرثًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الرياضة الأردنية لسنوات طويلة.
عيسى الترك... صانع النجوم، وباني الأجيال، وشيخ المدربين عن جدارة واستحقاق.
المصدر: وكالة جراسا الاخبارية و موقع كل يوم
١٤-١٠-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.