أخبار الرياضة وكرة القدم
تقرير كيف تُحاصر الضغوط القانونية والقيود المالية العمل الإغاثي لغزة بتنسيق أمريكي و"إسرائيلي"؟
وتزعم الولايات المتحدة إن هذه الإجراءات تستهدف منع وصول الدعم إلى حركة "حماس"، فيما تؤكد مؤسسات حقوقية أن نطاقها تجاوز ملاحقة أفراد أو جهات محددة، ليطال بيئة العمل الإنساني نفسها، ويؤثر في قدرة المؤسسات الإغاثية على جمع التبرعات وتحويل المساعدات المخصصة للمدنيين الفلسطينيين.
ثلاث تهم
وتبرز قضية مسؤول الإغاثة الفلسطيني محمد يوسف حسنة، المعتقل في المملكة المتحدة بناءً على طلب أمريكي، باعتبارها أحد أبرز الملفات التي تعكس هذا المسار المتصاعد، وسط تساؤلات حول تأثير هذه السياسات على مستقبل العمل الإغاثي الموجه إلى قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.
تحول اسم حسنة خلال الأسابيع الأخيرة إلى أحد أبرز الأسماء المتداولة في الأوساط الحقوقية والإنسانية، بعد توقيفه في المملكة المتحدة استجابة لطلب تسليم تقدمت به الولايات المتحدة، التي تتهمه بتقديم دعم مادي لحركة "حماس" من خلال عمله في مؤسسة "شام" الخيرية.
وبحسب وزارة العدل الأمريكية، فإن حسنة، يواجه ثلاث تهم تتعلق بالتآمر لتقديم دعم مادي وتمويل حركة "حماس"، وتطالب واشنطن بتسليمه لمحاكمته أمام القضاء الأمريكي.
ولا تزال القضية منظورة أمام القضاء البريطاني، ولم يصدر فيها أي حكم نهائي، فيما يتمسك فريق الدفاع بحقه في الطعن بإجراءات التسليم ونفي الاتهامات الموجهة إليه، استنادًا إلى مبدأ قرينة البراءة وضرورة إخضاع الأدلة للمراجعة القضائية.
وأعادت القضية فتح النقاش حول استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب في التعامل مع ملفات مرتبطة بالعمل الإنساني الفلسطيني، وما إذا كانت هذه القوانين تطبق ضمن حدودها القانونية أم أنها باتت تؤثر على قدرة المؤسسات الإغاثية على العمل في بيئة تحتاج فيها غزة إلى تدفق المساعدات بصورة عاجلة.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور صلاح عبد العاطي، المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، أن قضية حسنة تأتي ضمن سياق قانوني أوسع يتم فيه توظيف أدوات مكافحة الإرهاب والعقوبات المالية للتأثير على المجال المدني المرتبط بفلسطين.
ويقول عبد العاطي إن "مكافحة تمويل الإرهاب مبدأ مشروع في القانون الدولي، لكن تطبيقه يجب أن يبقى مرتبطًا بضوابط واضحة، بحيث تستهدف الإجراءات السلوكيات غير المشروعة المثبتة بالأدلة، لا أن تتحول إلى قيود عامة تطال العمل الإنساني أو المؤسسات التي تقدم مساعدات للمدنيين".
ويضيف أن "الخطورة تكمن في انتقال التأثير من ملاحقة أفراد محددين إلى خلق بيئة قانونية ومالية تجعل المؤسسات الإنسانية تواجه صعوبات كبيرة في عملها، سواء عبر البنوك أو الجهات المانحة أو إجراءات الامتثال المشددة".
ويشير إلى أن العاملين في المجال الإغاثي يجب أن يتمتعوا بكامل الضمانات القانونية، بما فيها الحق في المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، مؤكدًا أن مجرد توجيه اتهام لا يعني ثبوت المسؤولية الجنائية قبل صدور حكم قضائي نهائي.
لائحة الاتهام
وفي سياق الجدل القانوني حول القضية، دعت الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية السلطات البريطانية إلى عدم المضي في إجراءات تسليم حسنة إلى الولايات المتحدة قبل استكمال المراجعة القضائية المستقلة للاتهامات الموجهة إليه، مؤكدة ضرورة ضمان كامل حقوقه القانونية خلال مختلف مراحل التقاضي.
وقالت الفدرالية إنها تتابع بقلق اعتقال حسنة، البالغ من العمر 45 عامًا والحاصل على الجنسية التركية، مشيرة إلى أن لائحة الاتهام الأمريكية لا تزال في إطار الادعاءات التي لم تخضع لاختبار القضاء، وليست حكمًا بالإدانة.
وأوضحت أن الشكوى الجنائية المقدمة أمام محكمة المقاطعة الأمريكية للمنطقة الجنوبية في نيويورك تتضمن اتهامات بالتآمر لتقديم دعم مادي لحركة "حماس" وتمويل الإرهاب، مشيرة إلى أن العقوبة القصوى لكل تهمة تصل إلى السجن لمدة 20 عامًا، لكنها شددت على أن إثبات المسؤولية يتطلب محاكمة تستند إلى الأدلة والضمانات القانونية.
ولفتت الفدرالية إلى أن جزءًا من المواد التي تستند إليها القضية يعتمد على اتصالات مترجمة وصفها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي بأنها "ترجمات أولية قابلة للمراجعة"، إضافة إلى تفسيرات قدمها أحد الشهود، مؤكدة أن هذه المواد تحتاج إلى فحص قضائي وتمكين هيئة الدفاع من الطعن فيها.
كما أشارت إلى أن المعلومات الأولية المتوفرة لديها تفيد بأن الأنشطة المنسوبة إلى حسنة جرت بصورة علنية ومن خلال قنوات مرتبطة بالعمل الإنساني في قطاع غزة، معتبرة أن النشاط الإغاثي المشروع لا يجوز تجريمه أو التعامل معه باعتباره مخالفة جنائية دون أدلة قضائية حاسمة.
ورأت الفدرالية أن الاتهامات الأمريكية في القضية تستند، بحسب تقييمها، إلى معلومات ومزاعم مرتبطة بالجانب "الإسرائيلي"، معتبرة أن هذا النهج سبق استخدامه في قضايا طالت مؤسسات حقوقية وهيئات أممية ودولية، من بينها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".
وحذرت من أن توظيف هذه الاتهامات قد يؤدي إلى تقويض العمل الإنساني وتجفيف مصادر تمويله، بما ينعكس على قدرة المؤسسات المستقلة على تقديم المساعدات للفلسطينيين في قطاع غزة.
ومن جانبه، يوضح عبد العاطي أن الإشكالية القانونية لا ترتبط فقط بطبيعة الاتهامات الموجهة للأفراد، وإنما بمدى تأثيرها على البيئة التي تعمل فيها المؤسسات الإنسانية.
إبطاء وصول المساعدات
ويقول إن "التوسع في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والعقوبات المالية قد يؤدي إلى ما يعرف قانونيًا بالأثر التثبيطي، حيث تبدأ المؤسسات والبنوك والجهات المانحة باتخاذ إجراءات احترازية مبالغ فيها خشية التعرض للمساءلة، حتى في الحالات التي لا توجد فيها مخالفات مثبتة".
ويضيف أن هذا الواقع قد يؤدي عمليًا إلى إبطاء وصول المساعدات، ورفع تكاليف العمل الإنساني، وتقليص قدرة المؤسسات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في قطاع غزة.
لا تبدو قضية حسنة حالة منفردة في المشهد المتعلق بالعمل الإنساني الموجه إلى قطاع غزة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من الإجراءات القانونية والمالية التي طالت خلال السنوات الماضية أفرادًا ومؤسسات ناشطة في المجال الإغاثي.
ومن بين الملفات التي أثارت جدلًا خلال الفترة الماضية، قضية الناشط الفلسطيني المقيم في إيطاليا محمد حنون، بعدما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه وعلى جهات أخرى بدعوى المشاركة في جمع أموال لصالح حركة "حماس".
ونفى حنون هذه الاتهامات، مؤكدًا أن نشاطه يندرج ضمن العمل الإنساني والإغاثي الداعم للفلسطينيين، فيما أثارت القضية نقاشًا حول تأثير العقوبات المالية على المؤسسات والجمعيات التي تعمل في مجال دعم الفلسطينيين.
ويرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن هذه القضايا تفتح نقاشًا أوسع حول العلاقة بين إجراءات مكافحة تمويل الإرهاب وبين حماية العمل الإنساني، مؤكدًا أن القانون الدولي لا يمنح الدول صلاحية مطلقة في فرض القيود، بل يفرض عليها مراعاة مبادئ الضرورة والتناسب وعدم المساس بحقوق المدنيين.
ويشير إلى أن "هناك فرقًا قانونيًا بين منع تمويل أنشطة غير مشروعة وبين تعطيل قنوات الإغاثة التي تستهدف توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية للسكان المدنيين"، محذرًا من أن الخلط بين المسارين قد يؤدي إلى إضعاف منظومة المساعدات الإنسانية.
لم تقتصر تداعيات الملاحقات القانونية والعقوبات المالية على الأفراد أو المؤسسات المستهدفة، بل امتدت إلى منظومة العمل الإغاثي المرتبط بقطاع غزة، في ظل تشديد الإجراءات المصرفية والرقابية على التحويلات المالية الموجهة للمشاريع الإنسانية.
وتقول جهات عاملة في المجال الإغاثي إن عددًا من المؤسسات بات يواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع النظام المالي، نتيجة إجراءات تدقيق مطولة، واشتراطات امتثال أكثر تعقيدًا، وتأخير بعض التحويلات المخصصة لبرامج الإغاثة.
كما تشير هذه المؤسسات إلى أن بعض الجهات المانحة أصبحت أكثر حذرًا في تمويل المشاريع المرتبطة بغزة، خشية التعرض لمساءلات قانونية أو عقوبات مالية، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى إبطاء تنفيذ برامج تستهدف توفير الاحتياجات الأساسية للسكان.
غير مبرر
ويحذر الدكتور صلاح عبد العاطي من أن هذه التداعيات قد تتجاوز الجانب الإداري لتصل إلى تأثيرات إنسانية مباشرة، موضحًا أن تشديد القيود المالية قد يدفع المؤسسات والبنوك إلى ما يعرف بـ"الإفراط في الامتثال"، بحيث ترفض أو تؤخر عمليات مالية مشروعة لمجرد وجود مخاطر محتملة.
ويقول عبد العاطي إن "المشكلة لا تكمن فقط في وجود إجراءات رقابية، وإنما في أن تتحول هذه الإجراءات إلى عائق أمام وصول المساعدات، بحيث يصبح المدنيون هم الطرف الأكثر تضررًا من أي قيود غير متناسبة".
ويضيف أن القانون الدولي الإنساني يفرض على جميع الأطراف ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين، وأن أي تدابير لمكافحة تمويل الجماعات المسلحة يجب ألا تؤدي إلى حرمان المدنيين من الغذاء والدواء والرعاية الصحية.
ويشير إلى أن اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، تؤكد ضرورة تسهيل وصول الإمدادات الإنسانية للسكان المدنيين، وأن حماية المدنيين يجب أن تبقى أولوية عند تطبيق أي إجراءات أمنية أو مالية.
وبينما تؤكد الولايات المتحدة و"إسرائيل" أن الإجراءات المتخذة تهدف إلى منع وصول الأموال إلى جهات تصنفها واشنطن "إرهابية"، يرى حقوقيون أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان عدم استخدام هذه الإجراءات بطريقة تؤدي إلى تضييق غير مبرر على العمل الإنساني.
ويؤكد الدكتور صلاح عبد العاطي أن القانون الدولي لا يضع تعارضًا بين مكافحة تمويل الإرهاب وبين حماية المساعدات الإنسانية، لكنه يشترط وجود توازن دقيق بين الأمرين.
وأوضح أن مكافحة أي تمويل غير مشروع يجب أن تستند إلى أدلة واضحة وإجراءات قانونية عادلة، لا إلى افتراضات عامة أو إجراءات جماعية تطال مؤسسات المجتمع المدني والعاملين في المجال الإنساني.
ويشير إلى أن حماية العمل الإغاثي تقوم على مبادئ أساسية، من بينها الحياد والاستقلال وعدم التمييز، وأن المؤسسات الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى هدف بسبب طبيعة عملها أو بسبب تعاملها مع مناطق تشهد أزمات إنسانية.
نقاش أوسع
تضع قضية محمد يوسف حسنة، إلى جانب ملفات أخرى مشابهة، مستقبل العمل الإغاثي الفلسطيني خارج قطاع غزة أمام اختبار قانوني وإنساني واسع، في ظل استمرار الحرب وارتفاع الحاجة إلى المساعدات.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمصير شخص يواجه اتهامات أمام القضاء، وإنما أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول حدود استخدام قوانين مكافحة الإرهاب، وتأثير العقوبات المالية، ودور المؤسسات الإنسانية في مناطق النزاع.
ويرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن حماية العمل الإنساني تتطلب الفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية وبين طبيعة عمل المؤسسات الإغاثية، مؤكدًا أن المسؤولية القانونية لا يمكن تعميمها على جهات بأكملها بناءً على اتهامات لم يصدر فيها حكم قضائي نهائي.
ويضيف أن المطلوب هو ضمان وصول المساعدات إلى المدنيين في قطاع غزة عبر آليات رقابة شفافة، دون تحويل الإجراءات الأمنية والمالية إلى أدوات تعرقل العمل الإنساني.
وفي ظل استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع، تبقى قضية محمد يوسف حسنة واحدة من الملفات التي ستحدد شكل العلاقة بين أنظمة العقوبات الدولية والعمل الإغاثي الفلسطيني، وما إذا كانت الإجراءات الحالية ستبقى ضمن إطار ملاحقة أفراد محددين، أم أنها ستؤدي إلى فرض قيود أوسع على شبكة المساعدات التي يعتمد عليها ملايين الفلسطينيين.
المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم
٠٥-٠٨-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.