أخبار الرياضة من الأردن

أخبار الرياضة وكرة القدم

الحج والناس (دلالة التمايز اللفظي في الخطاب القرآني)


الحج والناس (دلالة التمايز اللفظي في الخطاب القرآني)

أخبار الرياضة

أخبار الرياضة من اليمن

٢٥-٠٥-٢٠٢٦

سألني صديق عن السر في ربط شعيرة الحج في الخطاب القرآني بلفظة الناس بينما يطرد بقية الفرائض والتشريعات بلفظة المؤمنين ( أو الذين آمنوا ) وكنت قد ظننت لأول وهلة أن هذا من العام الذي يراد به الخصوص كقوله تعالى ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) والمراد به بعض الناس لاكلهم قيل هو نعيم بن مسعود ومثل قوله تعالى ( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ ) والمراد بعض الناس لاكلهم وهم الكفار ومثل ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ) والمراد بعضهم قيل جبريل ، ومثل ذلك الناس في الحج المراد به خصوصهم وهم المؤمنون ولكن تبين لي أن هناك أيضاً دلالات أخرى وأبعاداً لورود كلمة الناس مرتبطة بالحج تدفعنا الى الوقوف على هذا التساؤل المعرفي الدقيق ومن خلال تتبع الآيات المتصلة بالحج والبيت الحرام يمكن الإشارة إلى الآتي :-

أولاً :- ثنائية الخطاب القرآني الواد في الحج والبيت :-

المسارالأول :- خطاب يتوجه إلى البشرية جمعاء والعلة في ذلك أن البيت الحرام أسس ليكون منارة هداية وإعلاناً عاماً لتوحيد الله وإبطال الشرك ليبقى الحج دعوة ظاهرة ومفتوحة لكل إنسان للدخول في الإسلام وليظل البيت قبلة للبشرية عبر الأزمان ويتجلى هذا البعد الاستيعابي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾، وفي إعلان الخليل: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، وفي فرضية النسك ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، وفي الجاذبية الروحية ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾

المسار الثاني :- هو خطاب التشريع والتكليف التفصيلي المقترن بوصف المؤمنين أو (الذين آمنوا ) فحين ينتقل السياق من مرحلة الإعلان العام والدعوة إلى مرحلة الامتثال والأحكام والحدود يتجه الخطاب نحو التوصيف الإيماني الخاص وهو المنهج المطرد في الصلاة والصيام ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون ﴾ ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ) ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أو الصيام ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ومن ذلك الخطاب التشريعي في الحج المتعلق ببيان الأحكام التي لا يلزم بها إلا من أقر بالإيمان : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، وحماية البيت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وأحكام الصيدفي الحج والحرم : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾.

ثانياً :- التخريج الأصولي في لفظة ( الناس ) ( مخاطبة الكفار بفروع الشريعة )

اقتنص الأصوليون هذا التمايز اللفظي واعتبروا مثل هذا الخطاب الموجه إلى الناس في فريضة وشعيرة الحج مدخلاً أصولياً وبنوا على ذلك قاعدة شهيرة ولاسيما جمهور الشافعية والمالكية والحنابلة وهي أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وبما أن لفظة ( الناس ) من صيغ العموم فإن الأمر بالحج يشمل المكلفين كافة - مسلمين وكفاراً - ورتبوا على ذلك الأثر الفقهي في الآخرة بحيث تقع العقوبه على الكفار لتركهم الفروع التشريعية من صلاة وحج وصوم وزكاة ونحو ذلك زيادة على عقوبة كفرهم الأصلي ومستدلين بقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. ومن هنا يفرّق المحققون بدقة بين خطاب التكليف والإعلام الموجه للناس عموماً لإلزامهم بالمسؤولية وبين خطاب الأهلية والامتثال (شرط الصحة) فبالرغم من أن الكافر مخاطب بالحج تكليفاً إلا أنه لا يصح منه فعلاً إلا بالإسلام لأن الإسلام هو شرط صحة العبادات وقبولها.

ثالثاً: البعد الدعوي والمقاصدي في لفظة ( الناس ) (عالمية الدعوة وتقويض الامتيازات الطبقية)

إن مقتضى البعثة المحمدية الخاتمة أن تتطابق جغرافية شعائرها مع عالمية مبادئها فالرسول أرسل ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، والخطاب بـ الناس يؤكد صبغة الدين الإسلامي الإنسانية العامة حصراً ونفي كل دين سواه كما ينفي عنه أي تقوقع قبلي أو قومي ومن أعمق الاستنباطات المقاصدية هنا أن الحج شعيرة توحيدية خالصة تذكر البشرية بأصلها الإنساني الواحد وقد جاء ليقوض ويهدم الامتيازات الاحتكارية التي أحدثتها الجاهلية فقد كان مشركو قريش (ويُدعون الحُمْس) يدّعون مميزات تشريعية تمنعهم من الفيض من عرفات مع عامة الناس بكبرياء طبقي فأبطل القرآن هذا الاحتكار صراحة بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ فقطع دابر التخصيص، وأعاد البيت إلى وظيفته الأولى مشاعاً إنسانياً وهدىً للعالمين.

رابعاً :- البعد المكاني والتاريخي .

يرتبط الحج بشيء سابق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم

وهو البيت العتيق وبإبراهيم عليه السلام وبالناس كلهم من حيث الأصل الإنساني ( مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ )

لأن وقت نداء إبراهيم لم تكن أمة الإسلام الحالية موجودة أصلًا، وإنما النداء متوجه للبشرية التي ستأتي لاحقاً ثم قال ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾

فالحج متعلق بمكان رمزي جامع للبشر، لا بمجرد عبادة فردية ثم إن الحج له جانب إعلان وخضوع ظاهر للبشرية كلها حتى العرب المشركون قبل الإسلام كانوا يعرفون أصل الحج — وإن حرّفوه — بخلاف الصلاة الإسلامية التفصيلية مثلًا فكأن القرآن يعيد هذا البيت إلى وظيفته الأولى بيت للناس فالحج متصل بأصل البيت الذي بناه ابراهيم للناس كافة قبل تشكّل الأمة المؤمنة نفسها.

المصدر: المشهد اليمني و موقع كل يوم

٢٥-٠٥-٢٠٢٦


* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.