أخبار الرياضة وكرة القدم
تقرير المكعبات الصفراء تبتلع بيوت الغزيين.. توسع جديد لـ"الخط الأصفر" يفرض موجة نزوح جديدة
خاص / شهاب
مع ساعات الصباح الأولى، وجد سكان المناطق الشرقية من مدينة دير البلح أنفسهم أمام تطور ميداني جديد، بعدما تجاوزت آليات الاحتلال "الإسرائيلي" الساتر الترابي في المنطقة، وبدأت بتثبيت مكعبات إسمنتية صفراء في نقاط قريبة من المناطق السكنية.
وعند تقاطع شارع السلطاني مع شارع مصنع الدواء، بالقرب من مطحنة بن سعيد، وضعت قوات الاحتلال مكعبًا إسمنتيًا جديدًا، كما ثبتت مكعبًا آخر عند تقاطع شارع الرن مع شارع السلطاني بمحاذاة مسجد الريان، في خطوة وسعت من نطاق المنطقة التي يفرض عليها الاحتلال قيودًا ميدانية مشددة.
تحريك الخط
لم ينتظر السكان كثيرًا بعد وصول المكعبات إلى شارع السلطاني، فمع اقتراب آليات الاحتلال من المنطقة بدأت عائلات سعيد وأبو غرابة وأبو بليمة وأبو غليبة النزوح من منازلها، في وقت تحولت فيه الشوارع القريبة إلى مناطق يصعب الوصول إليها.
يقول عطا أبو غليبة إن صباح اليوم قلب حياته رأسًا على عقب، بعدما اضطر إلى مغادرة منزله خلال ساعات الليل جراء تواصل إطلاق النار في الشارع الذي يسكن فيه.
ويضيف أنه كان يعتقد أن الصباح سيضع حدًا لموجة إطلاق النار، إلا أنه فوجئ بأن منزله، بل الشارع الذي يقطنه بأكمله، أصبح ضمن حدود "الخط الأصفر"، وهو ما يعني أن أي محاولة للعودة إلى منزله قد تكلفه حياته تحت نيران الاحتلال.
ويستغرب أبو غليبة أن يحدث هذا التغول على منزله بعد مرور تسعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، وفي وقت لا تزال فيه المفاوضات جارية مع الاحتلال للانسحاب أصلًا من مناطق "الخط الأصفر"، لا لتوسيعها.
ويأتي هذا التوسع شرق دير البلح ضمن سلسلة تحركات متواصلة لقوات الاحتلال منذ إعلان وقف إطلاق النار قبل تسعة أشهر، حيث ظل "الخط الأصفر" يتحرك تدريجيًا داخل قطاع غزة، مقتطعًا مساحات جديدة من المناطق التي كان يعيش فيها الغزيون، ودافعًا المزيد من العائلات إلى النزوح.
ويُعرف "الخط الأصفر" بأنه شريط أمني فرضه الاحتلال داخل قطاع غزة، ويواصل توسيعه تدريجيًا عبر تحريك المكعبات الإسمنتية الصفراء التي تحدد حدود مناطق سيطرته، وتمنع الفلسطينيين من الوصول إلى المناطق الواقعة خلفه.
وما جرى في شرق دير البلح لم يكن تطورًا منفصلًا، بل صورة مصغرة لما تشهده مناطق مختلفة من قطاع غزة منذ تثبيت "الخط الأصفر" بعد اتفاق وقف إطلاق النار. فمنذ ذلك الوقت، واصلت قوات الاحتلال تحريك هذا الخط تدريجيًا باتجاه المناطق الغربية، عبر توسيع نطاق سيطرتها وضم مساحات جديدة إلى المناطق التي تمنع الفلسطينيين من الاقتراب منها أو العودة إليها.
وخلال الأشهر الماضية، لم يتوقف الأمر عند وضع المكعبات الصفراء وتحديد مناطق جديدة، إذ رافق ذلك عمليات نسف وتجريف للمنازل والبنى التحتية في المناطق الواقعة خلف الخط، ما أدى إلى تغيير معالم أحياء كاملة ودفع مزيد من السكان إلى البحث عن أماكن أخرى للنزوح.
ولم يكن تمدد "الخط الأصفر" مجرد تحرك محدود على الأرض، إذ كشفت وكالة رويترز أن الاحتلال استغل انشغال المجتمع الدولي بالتطورات الإقليمية، وأصدر خرائط جديدة لقطاع غزة تحدد مناطق سيطرة آخذة في التوسع، فيما يؤكد جيش الاحتلال أن حدود هذه المناطق قابلة للتغيير في أي وقت.
وعند بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، كان "الخط الأصفر" يفصل نحو نصف مساحة القطاع، قبل أن ترتفع مساحة الأراضي الواقعة تحت سيطرة الاحتلال من نحو 53% إلى 58% خلال الشهرين التاليين للاتفاق، ثم تواصل التوسع لاحقًا.
عزل جغرافي
وفي وقت لاحق، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن قوات الاحتلال باتت تسيطر على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، في مؤشر على استمرار توسيع المنطقة الخاضعة لسيطرة الاحتلال داخل القطاع.
ومع تقلص المساحة المتاحة للسكان إلى نحو 110 كيلومترات مربعة فقط، وجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم محشورين في رقعة جغرافية ضيقة وسط دمار واسع ونقص حاد في المأوى والخدمات الأساسية.
ويرى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن ما يجري في قطاع غزة لا يقتصر على فرض سيطرة عسكرية على مناطق محددة، بل يمثل نمطًا من العزل الجغرافي داخل القطاع، عبر تقليص المساحات المتاحة أمام السكان ودفعهم إلى مناطق محدودة تفتقر إلى مقومات الحياة.
وأشار المرصد إلى أن الحيز الجغرافي المتاح لمعظم سكان قطاع غزة، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون فلسطيني، تقلص إلى مساحة محدودة، في ظل استمرار عمليات التدمير ومنع الوصول إلى مناطق واسعة خلف "الخط الأصفر"، الأمر الذي يزيد من صعوبة حياة السكان ويعمق الأزمة الإنسانية.
ولم يقتصر تمدد "الخط الأصفر" على شرق دير البلح، إذ شهدت مناطق أخرى في قطاع غزة تحركات مشابهة خلال الفترة الماضية. ففي شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع، توسعت عمليات قوات الاحتلال، بينما دفعت تحركاتها في شمال غزة، خصوصًا في مناطق مخيم جباليا وبيت لاهيا، مزيدًا من النازحين إلى مغادرة أماكن وجودهم مع تقدم الآليات وامتداد المكعبات الصفراء.
وفي المناطق التي تدخل ضمن نطاق السيطرة، يواصل الاحتلال عمليات نسف وتجريف لما تبقى من منازل وبنى تحتية، ما يجعل عودة السكان إلى تلك المناطق أكثر صعوبة، ويكرس واقعًا ميدانيًا جديدًا يفرضه بالقوة على الأرض.
ويتزامن هذا التوسع الميداني مع تصاعد دعوات داخل حكومة الاحتلال لإعادة طرح فكرة الاستيطان في قطاع غزة، في وقت تتواصل فيه عمليات تثبيت السيطرة على الأرض عبر تحريك "الخط الأصفر".
وفي 29 يونيو/حزيران الماضي، أعلن وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش عن خطط لإقامة ثلاث مستوطنات في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن تنفيذها يحتاج إلى موافقة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. كما كشف وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس، خلال جولة له في شمال قطاع غزة، عن خطة لإقامة ثلاث بؤر استيطانية ذات طابع عسكري في القطاع.
مزيد من التهجير
ويرى الخبير في الشؤون "الإسرائيلية" سليمان بشارات أن ما يجري في قطاع غزة لا يرتبط فقط بالتحركات العسكرية، بل يأتي ضمن رؤية تستهدف إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي في القطاع.
ويقول بشارات إن الاحتلال ينظر إلى الحرب باعتبارها فرصة لدفع الفلسطينيين نحو مزيد من التهجير، بالتوازي مع توسيع سيطرته على الأرض وفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
ويضيف أن الاحتلال استغل انشغال المجتمع الدولي بالحرب الأمريكية – الإيرانية وملفات الطاقة، للمضي في توسيع مناطق سيطرته تحت غطاء اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بمدينة شرم الشيخ المصرية، رغم أن الاتفاق كان يفترض أن يقود إلى تقليص الوجود العسكري داخل قطاع غزة لا إلى توسيعه.
ويحذر بشارات من أن استمرار الصمت الدولي يمنح الاحتلال مساحة أوسع لفرض أمر واقع جديد، لافتًا إلى أن تصاعد الخطاب الديني التوراتي داخل المجتمع "الإسرائيلي" بات يشكل أحد محركات مشروع التوسع والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
واليوم، لم يعد "الخط الأصفر" مجرد خط مرسوم على خريطة عسكرية، بل تحول إلى حدود تفصل الفلسطيني عن منزله وأرضه وحقه في العودة. ومع كل تقدم جديد للمكعبات الصفراء، يفرض الاحتلال واقعًا ميدانيًا جديدًا، في محاولة لرسم حدود بالقوة على الأرض، قبل أن تُرسم على طاولة المفاوضات.
المصدر: وكالة شهاب للأنباء و موقع كل يوم
١٨-٠٧-٢٠٢٦
* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.
* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.